بلديات النبطية في مواجهة النفايات

اعلان

منذ إقفال مكبّ كفرتبنيت، الذي كانت تتجمّع فيه نفايات بلدات اتحاد بلديات الشقيف، تتنقّل أزمة النفايات في النبطية من بلدة إلى أخرى، متخذةً طابع «المواجهات الشعبية». المشكلة التي تسير نحو المزيد من التأزم تتّسع لتطاول أقضية مختلفة من دون أن تخلو من التسييس

كادت بضع رصاصات في الهواء، أطلقها مجهولون منذ عدة أيام، تنذر بمواجهة مسلحة بين أهالي بلدتي زوطر الشرقية وميفدون. إذ سبّب المكبّ الجديد الذي أجّرته بلدية زوطر لـ«شركة الجنوب للمقاولات»، المعنية بجمع النفايات في قرى وبلدات اتحاد بلديات الشقيف، حركة احتجاج واسعة، عفوية أحياناً، ومنظّمة في أحيان أخرى، من أهالي بلدة ميفدون وفاعلياتها.
المكبّ الذي يقع في أرض تابعة عقارياً لزوطر، قريب جداً من ميفدون، لذلك يتناوب شبان من البلدة الأخيرة على حراسة المكبّ ومنع أيّ شاحنة من الاقتراب منه. «الأهالي فوجئوا بكمية النفايات التي تجمّعت في المكب خلال ليلة واحدة، أطنان منها حوّلت المكبّ إلى جبل، لذلك هم متيّقنون من أن المكبّ سيمثّل أزمة كبيرة لو ترك على عواهنه» يقول علام جابر، أحد أبناء بلدة ميفدون، ويشير إلى «أن شاحنات محملة بالنفايات أتت فجراً من منطقة بنت جبيل لترمي نفاياتها هنا، وهذا ما جعل الأزمة تتفاعل أكثر وأكثر».

من جهته يؤكد رئيس البلدية د. وفيق جابر «نحن في بلدية ميفدون، رئيساً وأعضاءً، اتخذنا قراراً بإقفال مكبّ زوطر الشرقية نهائياً، ولن نسمح بتجميع النفايات فيه»، وإن أوضح أنه «لا يحق لنا كبلدية إقفال مكبّ في منطقة عقارية تتبع لبلدة أخرى، لكن ما العمل وقد أصبحنا في الواجهة، والبعض يتهمنا بأننا تلقّينا رشى للسكوت على المكب؟».

وكان ممثلو البلديات المنضوية في اتحاد بلديات الشقيف قد اتخذوا قراراً بالإجماع يوافق على استخدام مساحة من أراضي بلدة زوطر الشرقية لتكون مكباً للنفايات بعد إقفال مكبّ كفرتبينت، وممانعة أهالي كفررمان في أن يكون المكبّ في حدودهم العقارية. يقول جابر: «أنا الوحيد الذي اعترضت على القرار، وإذا بشائعة تتحدث عن أني تلقيت مبلغ مئة مليون ليرة لبنانية لكي أسكت عن الاعتراض، وها هي الأمور تصل إلى الاستنفار المسلح، والبعض يريدنا أن نكون ممسحة تغرق تحت ثقل النفايات، أو محرقة لها». ويضيف: «تمثّل النفايات أزمة لكلّ الناس، وهي بدأت تتراكم في ميفدون وغير ميفدون، وإنّ من ترهقهم الأزمة ويعانون آثارها السلبية جراء تكدسها في الطرقات وانبعاث الروائح الكريهة، هم من يواجهون هذه المكبات، فما الحل؟ نحن عاجزون أمام هذا التناقض الذي لا يبدو بعيداً عن السياسة».

يبعد مكبّ آخر تستخدمه بلدية شوكين نحو خمسة وعشرين متراً عن مكبّ زوطر الشرقية «هو قائم منذ ثلاثة أشهر ولم يتحرّك أحد من أهالي بلدتنا ميفدون، علماً أن النفايات فيه مكشوفة للعيان، لم يُستدعَ الناس عبر مكبرات الصوت كما حصل منذ أيام، ومن أجل ذلك أعتقد أن هذه التحرّكات ليست بريئة بالكامل» بحسب جابر، الذي يحمّل المعنيين في الشركة المكلّفة أمر النفايات مسؤولية التقصير «فلو أن الشركة طمرت هذه النفايات تنفيذاً لبنود الاتفاق المبرم مع الاتحاد، لما وصلت المواجهة إلى هذا الحدّ، فالأهالي هالهم ما رأوه من حجم النفايات التي تكدّست قرب أراضيهم، ولا تبعد كثيراً عن المناطق السكنية».

في ظلّ هذه «المعمعة» القائمة منذ عدة أشهر، لم يلحظ أهالي وفاعليات المنطقة اهتماماً من نواب المنطقة يوازي حجم المشكلة «علماً أنهم يجتمعون في احتفالات مدرسية وتكريمية ويلقون الخطب السياسية، لكن كأنّ هذا الأمر لا يعنيهم، ولم يبادر أحد منهم إلى الاتصال في الحد الأدنى» يقول رئيس إحدى بلديات الاتحاد، مؤثراً عدم ذكر اسمه، وينطلق من أن بلديات المنطقة ولدت برعاية توافق بين «حركة أمل» و«حزب الله» جعلت هذه البلديات تتوزّع بين محازبيهم ومناصريهم «هل يريدون سقوط عدد من القتلى على غرار ما حصل في الأبنية العشوائية التي قامت على الأملاك العامة، لكي يتحركوا؟». ويرى أن الاستنفار المسلح الذي حصل بين البلدتين «مؤشر خطير وينذر بعواقب لن تحمد عقباها، إذا ما استمر الخلاف على المكب».
يشير رئيس اتحاد بلديات الشقيف د. محمد جابر إلى أن الشركة المعنية التي أوكل إليها الاتحاد أمر التخلص من النفايات «لم تألُ جهداً إلّا وبذلته من أجل إيجاد مكب للاتحاد، وهي دفعت في أكثر من مكان مبالغ طائلة من أجل تأهيل الأرض، غير أنها كانت تضطر إلى المغادرة، رغم خسارتها، على وقع الاحتجاجات المتنقلة من جانب الأهالي وغير الأهالي».

ويتحدث جابر عن خيار أخير أمام الشركة من خلال مكبّ بدأت الاتصالات من أجل تأمينه، ويؤكد أن «الحل الأنجع سيكون من خلال المعمل الذي بدأ الاتحاد ببنائه قرب بلدة الكفور، ويتمتع بمواصفات تمكّنه من استيعاب جميع نفايات بلدات الاتحاد وتحويلها إلى مواد عضوية وغيرها. قطعنا شوطاً في الموضوع، لكننا نحتاج إلى بعض الوقت، وإلى القليل من الصبر، من أبناء المنطقة وفاعلياتها، لأننا جميعاً نقع تحت تأثير هذه الأزمة».

«فتحنا طرقات وجهزنا المطمر بما لا يقلّ عن 44 مليون ليرة في زوطر الشرقية؛ وفي كفررمان دفعنا أكثر من 45 مليون ليرة، وهذه خسائر غير قابلة للتعويض، لكننا لن نألو جهداً في سبيل إيجاد مكبّ يخفّف الأزمة التي بدأت تظهر في طرقات وأحياء بلدات وقرى المنطقة» يقول علي عياش، مدير «شركة الجنوب للمقاولات».

عياش يرى أن التقصير متراكم من جانب الدولة اللبنانية والعديد من البلديات والفاعليات السياسية والأهالي «وهذا ما يسهم في تفاقم الأزمة، من دون أن يتحمل أحد مسؤوليتها في هذا الإطار». ويضيف: «يواجهنا أشخاص يظهر أنهم مدعومون سياسياً، وعندما نشكو أمرنا للجهات السياسية تنفي علاقتها بالأمر وتعدّه تصرفاً فردياً. بدّلنا خمسة مكبات في مدة زمنية وجيزة كنا نوفر لها الشروط والمواصفات الدقيقة والعالية، وعندما نحاول تنفس الصعداء بأن المشكلة بطريقها إلى الحلّ، نبدأ من جديد، كأن أحداً يريد أن تبقى النفايات في الطرقات والأحياء». عياش يعوّل على وجود المعمل لكن ذلك «لن يلغي فكرة وجود مطمر لبعض النفايات التي لا يمكن تدويرها».

أما في زوطر «فلم نستخدم المكب أكثر من يومين، ليس صحيحاً أننا لم نطمر، وهذا اتهام نرفضه. في اليوم الأول طمرنا النفايات ولم نترك ورقة واحدة قابلة للاشتعال، وفي اليوم التالي وبينما كان فريق من العمال يفرز النفايات قبل طمرها، ونحن نقوم بذلك عادة للتخفيف من الأثر البيئي، فوجئنا بهجوم علينا من جانب عدد من أهالي ميفدون، أحرق البعض خلاله المواد المفرزة وطردوا العمال من هناك». ونفى عياش أن تكون شركته قد أتت بنفايات بنت جبيل إلى النبطية «نحن أوقفنا التعاقد مع بلدية بنت جبيل منذ شهر، وتتولى شركة أخرى أمر نفايات المدينة، هذا اتهام غير قابل للنقاش لأنه افتراء صرف، أصلاً تصبح نفايات بنت جبيل ذات كلفة عالية إذا ما نُقلت من هناك إلى منطقة النبطية، نحن لا علاقة لنا بهذا الأمر جملةً وتفصيلاً».

إقفال 3 مكبات

ثلاثة مكبات «معلَنة» كانت ملاذ نفايات اتحاد بلديات الشقيف. فبعد مكبّ كفرتبنيت، الذي أقفل في شهر آذار من العام الجاري، بعد خمس سنوات على استخدامه، فُتح مكبّ عند التلال الشرقية لبلدة كفررمان، وُوجه بمعارضة قادها «الشيوعيون» في البلدة، مع عدد من الجمعيات الأهلية، مع العلم أن بلدية كفررمان تستخدم المكبّ حالياً للتخلص من نفايات البلدة رغم الاعتداء على الأملاك العامة «الجمهورية». أبدت بلدية زوطر الشرقية استعدادها لاستقبال النفايات في حدودها العقارية، بموافقة اتحاد بلديات الشقيف، لكن الرفض أتى هذه المرة من جارتها ميفدون. في هذا الوقت برزت الشهر الفائت حركة احتجاج واسعة من بلدة الشرقية على معمل الاتحاد القائم على عقارات بلدة الكفور، ما ينذر بمزيد من التعقيد.

السابق
معرض الرسم المدرسي في منتدى صور
التالي
مقاهي صيدا بين الكورنيش القديم والجديد

اترك تعليقاً