الراي: أسئلة استباقية عن الخيار الاحتياطي بالهروب إلى…الحرب

دارت على «شاشات» بيروت امس منافسة ضارية بين «قبعات» الزفاف الاسطوري في العاصمة البريطانية و«القبضات المرفوعة» في المدن السورية، فلبنان «العاطل عن العمل» لبقائه بلا حكومة منذ اكثر من أربعة اشهر، كانت عينه على «الزفة الأرستقراطية» لعروسي «القرن» ويليام وكيت في مدينة الضباب، اما قلبه فعلى «الهبة التاريخية» في الشارع السوري «المجاور»، وسط الضبابية التي تحكم الصراع بين النظام وشعبه.

وعلى مدى ساعات طويلة اختلطت وسامة ويليام و«بساطة» كيت في الاطلالة على اكثر من ملياري مشاهد مع الاخبار العاجلة من درعا وبانياس واللادقية ودمشق والقامشلي ومداخلات «الشهود العيان» عن «جمعة الغضب» في سورية، وكاد ان يختلط الامر على اللبنانيين الذين تعاملوا مع الحدثين وكأنهما «في بيروت» التي غالباً ما تعتقد انها مركز الجاذبية ومحورها في العالم المترامي من حول ازماتها التي تبدأ من دون ان تنتهي
.
فلا الزفاف الملكي في قصر باكينغهام ولا الاحتجاج الدامي في سورية حالا دون الاسترسال اللبناني في تعقب مصير «وزارة الداخلية» في الحكومة «الافتراضية» التي يتم البحث عنها بلا جدوى منذ ثلاثة اشهر ونيف. فالمداولات «السرية» الجارية على «قدم وساق» تظهر وكأن حقيبة «الداخلية» تحولت «القفل والمفتاح» في ازمة حكم تزداد استعصاء في بلاد بلا سلطة ومتروكة في العراء، في لحظة العواصف الزلزالية التي تجتاح دول المنطقة و«عواصمها» الاقليمية
.
ورغم ان «الفراغ المتمادي» بدأ يضج بظواهر توتر تأخذ شكل «القنابل الموقوتة» كالتعديات المفرطة على املاك الدولة و«اشتعال» اسعار المحروقات، بعد تمرد سجن رومية وخطف السياح الاستونيين السبعة وما شابه، فإن الوسط السياسي مأخوذ بمناقشات تتجاوز اليوميات الساخنة وتلامس السيناريوات الخطرة لما قد ينجم عن تطور المواجهة بين النظام والشارع في سورية المفتوحة على ما يبدو على المزيد من الاضطراب في الداخل والضغوط من الخارج
.
فالدوائر المعنية في بيروت، وعلى اختلافها، تعاين ما يجري في سورية من زوايا عدة أهمها: استمرار «كرة ثلج» الاحتجاجات رغم «الصعقة الكهربائية» التي اعتمدها النظام كخيار لمواجهة التظاهرات، تطور الموقف الاميركي على وقع حركة المدرعات حول درعا، وسط الضغط الذي يمارس على باراك اوباما لمغادرة «تردده»، المسعى التركي الذي قيل انه حمل الى سورية مبادرة من خمسة اقتراحات لم تحظ بقبول، اهم ما فيها قيام حكومة بمشاركة المعارضة (الإخوان والمجتمع المدني).
وثمة اسئلة «إستباقية» في بيروت تتناول الخيارات «الاحتياطية» التي يلجأ اليها النظام في سورية ومعه ايران و«حزب الله» اذا بلغت التحديات امام الرئيس بشار الاسد الحد الذي يهدد نظامه بالسقوط، والأهم في هذا السياق هو السؤال عن امكان الجنوح الى «قلب الطاولة» في المنطقة عبر الحرب مع اسرائيل، وتالياً مصير الوضع في لبنان في ضوء اي عملية «خلط اوراق» من النوع الذي لا يستبعده «جميع» الاطراف
.
وثمة من يعتقد في هذا السياق ان الهروب الى الحرب هو بمثابة خيار على الطاولة بالنسبة الى النظام في سورية وايران، الامر الذي تدركه الولايات المتحدة وتتعامل معه كواحد من السيناريوات المحتملة. وهناك من يرى، في اطار فحص الاحتمالات، ان سقوط النظام في سورية سيدفع «حزب الله» الى وضع يده على لبنان، لأنه لا يمكن لإيران خسارة «ساحتين» في وقت واحد، اي سورية ولبنان
.
فبيروت استشعرت في هذه الاثناء «حساسية» المواقف التي أطلقها وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني بالتوازي مع الاعلان عن اتفاق بين روما وباريس على «اقتراح عقوبات صارمة ضدّ المسؤولين العسكريين والاستخباراتيّين عن المجازر في سورية»، وذلك خلال اجتماع المجلس الأوروبّي في مايو المقبل
.
وكان بارزاً ما اعلنه وزير الخارجية الإيطالي في مقابلة صحافيّة لجهة تأثيرات ما يحصل في سورية على واقع قوة «اليونيفيل» في جنوب لبنان ملوحاً بامكان تغيير طبيعة مهمتها مستقبلاً، اذ اكد انه «يمكن أن يكون للأزمة السوريّة تأثير كبير على قرارات حزب الله و»حماس»، فالدّور الذي لعبته سورية وستلعبه مع الحزب، يفقد مهمّة «اليونيفيل» أحد أسباب وجودها المهمّة»، واضاف: «المفارقة هنا واضحة، فإذا شعر «حزب الله» بالضعف، نتيجة ضعف قوّة التغطية والتسليح السورية باعتبار ان سورية عرّابته، فمن الممكن أن يصبح أكثر عدوانيّة، وأن يخرج عن نطاق السيطرة، وإذا حدث ذلك، يجب تغيير طبيعة مهمّة اليونيفيل». وتابع: «سأتحدث عن ذلك بحزم في مجلس وزراء خارجيّة الاتحاد الأوروبي في منتصف مايو. فقد لعبت اليونيفيل دورا جيّدا في تسوية الأزمة بعد عام 2006، ويمكنها أن تتحوّل إلى رادع ممتاز حتى في مواجهة أزمة جديدة في المنطقة، ولكن بالتأكيد ليس وفق آلية القرار 1701». وختم: «يجب أن يكون واضحاً، أنّه حتى لو لم تؤثر الأزمة السوريّة على لبنان، فإنّ التزامنا مهمّة اليونيفيل، كما قرّرت الحكومة بالفعل، سينخفض كثيراً، بالتنسيق مع حلفائنا
».
وغداة هذا الموقف، اكد الناطق باسم اليونيفيل نيراج سينغ «ان اليونيفل لا تعلق على الموقف السياسي لاي من الدول المساهمة من خلال جنودها»، لافتا «الى ان مهمة القوة الدولية محددة بوضوح بموجب قرار مجلس الامن رقم 1701»، وقال: «اليونيفيل تعمل وبشكل حازم في اطار هذا القرار والسلطة المعطاة من قبل مجلس الامن».

ووسط تقدُّم الحدَث السوري، بقي ملف الحكومة على مراوحته رغم المعلومات المتضاربة عن «اختراق ما» في عقدة حقيبة الداخلية السيادية، فيما استوقف الدوائر المراقبة بقاء الوضع الأمني على «جهوزيته» لجهة التوتر الذي يبدو «غير بريء» على أكثر من جبهة وفي أكثر من ملف، والذي بدأ يجعل الناس تعيش «على أعصابها»، بدليل التقارير التي اشارت الى ان اشاعات عن محاولة لاقتحام مجلس النواب لإيصال مطالب اجتماعية اول من امس ادت الى قفل المقاهي والمطاعم في الوسط التجاري، في ظل إرباك أمني استمر لأكثر من ساعتين، قبل أن تتضح الصورة، وهي أن مجموعة من الشباب حاولت تجاوز حاجز القوى الأمنية في رياض الصلح للوصول إلى البرلمان، فمنعوا من عناصر الأمن بعد اشتباك بالأيدي كانت حصيلته توقيف 11 شاباً وجرح اثنين.

في هذا الوقت، برز ما كُشف عن اتصال جرى أخيراً بين الرئيس اللبناني ميشال سليمان ونظيره السوري بشار الأسد جرى خلاله البحث في المستجدات الأخيرة التي تشهدها الساحة السورية. ونقلت صحيفة «السفير» عن مصادر إن سليمان عبّر للأسد عن رغبته في زيارة دمشق كخطوة تضامنيّة مع سورية في هذه المرحلة التي تمر بها، إلا أن الرئيس السوري، شكر سليمان مقدراً الموقف الذي أبداه، لكن لم يتم الاتفاق على موعد قريب لتلك الزيارة.

كما ذكرت معلومات ان اتصالاً جرى في الساعات الاخيرة بين الاسد والرئيس نجيب ميقاتي الذي لفتت مساء اول من امس زيارته سليمان حيث جرى البحث في الملف الحكومي، قبل ان يستقبل الرئيس اللبناني اليوم المعاون السياسي للامين العام لـ«حزب الله» حسين الخليل والمعاون السياسي لرئيس البرلمان النائب علي حسن خليل لمناقشة عقدة وزارة «الداخلية» وتوزيع الحقائب الاخرى في الحكومة.

وكانت تقارير اشارت الى اتصالات تجري خلف الكواليس لإنجاح محاولة قد تكون الأخيرة لانضاج الطبخة الحكومية وتذليل العقبات من امامها، على قاعدة ان يختار الرئيس سليمان وزعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون واحداً من ثلاثة أسماء قيل ان الرئيس ميقاتي عرضها على «الجنرالين»، لاسناد حقيبة الداخلية اليه. فيما ترددت معلومات عن تسوية في هذا الشأن تقضي بتسمية ضابط متقاعد في الجيش اللبناني عمل مع سليمان ابان قيادته للجيش في اطار مهمة في الجنوب.
على ان معلومات أخرى لم تجزم بان الرئيس سليمان تخلى عن الداخلية او عن الوزير زياد بارود، كما لم تؤكد ان العماد عون وافق على ان تؤول هذه الحقيبة الى طرف ثالث، فيما نُقل عن الوزير بارود أنّ «الحكومة في لبنان في حالة الكوما». اما اوساط الرئيس المكلف فاكدت ان لا جديد في انتظار نتائج الاتصالات على خط الرئيس سليمان – العماد عون ومحورها حقيبة الداخلية، «فالخلاف بينهما والحل ايضا»، مؤكدة ان ميقاتي يمنح الاتصالات مداها لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
وكان لافتاً اعلان رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط العائد من سورية حيث التقى اللواء محمد ناصيف إنه ليس صحيحا أن دمشق لا مصلحة لها بتشكيل الحكومة، بل هو سمع «تشجيعاً سورياً على وجوب ولادة الحكومة وأن يقدم الجميع تنازلات».  

السابق
لبنان ينأى بنفسه عن مواجهة المشاكل المقبلة
التالي
جمعة الزفاف