في الوطنية

ثمة دروس كثيرة يمكن استخلاصها من تجارب الآخرين حتى لو كانت تحمل بعدا مأساويا، ففي الحرب العالمية الاولى اعدم الألمان ممرضة إنكليزية تدعى اديت كافيل بسبب مساعدتها للجنود البريطانيين الذين أصيبوا اثناء تلك الحرب،

وقبل إعدامها قالت (لقد ادركت ان الوطنية ليست كافية المطلوب هو ان لا نكره او نشعر بروح العداوة ازاء بعضنا بعضا )ولعل ما يستدعي الى الذاكرة مثل تلك المفاهيم هو تلك الحرب الإعلامية الافتراضية التي تشن علينا وتجعل من الحالة الوطنية مسألة تحت الاختبار في ظل استراتيجية مفاعيل مذهبية وطائفية مقيتة وكريهة وحاقدة، تحاول تدمير الأوطان عبر إثارة الأحقاد والعصبيات الكامنة والمتنحية التي يحكمها تفكير بدائي يعود لعصر ما قبل تشكل المجتمعات المدنية والدولة بمفهومها القانوني والاجتماعي والاخلاقي، وهنا يمكننا التمييز بين وطنية محلية اقرب ما تكون الى التشكيل المحلي الذي تستلزمه روابط محض اجتماعية او أسرية انطلاقا من العائلة والعشيرة وغيرها من انتماءات بسيطة وأولية، وصولا الى الفضاء الوطني الجامع المؤسس على حوامل ما فوق عصبية تشمل بنية الدولة المدنية الحديثة، ولعل ما يمكن الوقوف عنده هو ان مفهوم الوطن والمواطنة مفهومان جديدان في الاصطلاح السياسي القاموسي عند العرب، وهذا ناتج عن طبيعة وبنية المجتمعات العربية التي تشكلت تاريخيا في ظل ظروف تختلف كثيراً عن بنية وطبيعة تشكل المجتمعات الغربية التي كانت ولادة المفهوم من حيثياتها السياسية والاجتماعية والبنية الحاملة لها تاريخيا، وهذا لا يلغي حقيقة ان مفهوم الدولة كتشكيل قانوني مؤسسي كان قائما في بيئتها العربية، فالمثال المصري والكيانات التي قامت في بلاد الشام والرافدين هي أمثلة حية على ذلك، ولكن سيادة مفهوم الخلافة والرعية في العصور المتأخرة هو الذي حال دون تبلور حقيقي لمثل ذلك المجمل الكلي .‏

ان ما يهمنا فيما نحن بصدده هو بعض الأسئلة البسيطةوالمؤلمة في الوقت ذاته و التي تطرح نفسها بقوة في هذه الايام ونحن نشهد عالماً عربياً يموج بالتحولات التي تجعل من قضايا مثل وطن ومواطنة وانتماء وولاء في مخبر التحليل السياسي والاجتماعي مع وجود ورشات تخصيب للكراهية واحيائيات بغيضة لها خطابها واناشيدها التي تحاول جاهدة تحويل الأوطان الى خرائط ضيقة واوكار قتل او تربص يفرض على اي جمهور كائناً ما كان البحث عن حماية ذاتية في ظل سعي محموم لفرط العقد الاجتماعي المؤسس على حوامل وطنية.‏

لقد اعتقد البعض مخطئاً ان نظرية الفوضى الهدامة التي جاء بها المحافظون الجدد قد اصبحت تحت الأدراج او أحيلت الى غرف الأرشيف، ونسوا او تناسوا ان ما يحكم تلك النظم ويسوسهاعقيدة استراتيجية مهمة كل من يأتي الى سدة الرئاسة كائناً من يكن حزبه او انتماؤه السياسي تنفيذها تحت أي ظروف ومهما كان الثمن، ولعل ما تشهده منطقتنا في جانب كبير منه يدخل في سياق ذلك دون المسّ بقدسية وأهمية ما جرى في بعض الأقطار العربية من إسقاط لأنظمة مارست كل انواع الاستبداد والقهر والتسلط ضد مواطنيها فلاقت وواجهت مصيرها المحتوم .‏

إن نظرية الفوضى الهدامة -وهذا ما قد يكتشفه البعض لاحقاً-لا تتأسس على زوال أنظمة واستبدالها بغيرها او احتلال بلد بالقوة العسكرية فجوهرها يكمن في نسف الشروط الوطنية التي تؤسس عليها تلك الأوطان ليكتشف الجمهور لاحقاً -وهذا هو الذي يشتغل عليه -ان وطن وقومية هي كذبة كبرى والحقيقة الكامنة هي المذهب والطائفة والعشيرة التي يجب ان تبحث عن عنوانها السياسي وشروطها الذاتية .‏

إن ما يجري من فتن ومؤامرات تحت أردية جميلة ومغرية يجب ان تجعلنا اكثر خوفاً وقلقاً على مستقبل أوطاننا وأبنائنا، ما يستوجب منا جميعا استنفار كل وقودنا الوطني والحضاري لنحافظ على هويتنا ومستقبلنا الذي تسعى قوى الشر لاختطافه او محاولة اغتياله وهذه المرة ليس بدباباتها وآلتها العسكرية المجنونة، وانما بالسلاح الناعم الذي يريدون من خلاله تحقيق هزيمة افتراضية بنا أوطاناً وأمة، ليخرجونا من التاريخ والى غير رجعة .‏

آخر تحديث: 27 أبريل، 2011 8:05 ص

مقالات تهمك >>