جيفري فيلتمان…القفـز على خيار الشعـوب

جيفري فيلتمان ليس مجرد اسم يكتب هكذا Jeffrey Feltman‏ كما في لغته الأصلية.. ولا هو مجرد أكاديمي أميركي من مواليد غرينفيل بولاية أوهايو الأميركية.. ولا مجرد متطوع في خدمة قوات الاحتلال في العراق في 2003 ولا فقط سفير واشنطن في بيروت بين الأعوام 2004 و2008.

ولا كل تلك المعلومات التي تقدمها عنه مواقع الانترنت.. جيفري فيلتمان يُذكرنا بدينيس روس.. اسم آخر يحتاج لمن يبحث عن دوره في المنطقة العربية في القضية الفلسطينية.. ويُذكرنا بـ«تيري رود لارسن».. النرويجي الذي سطع اسمه (وزوجته) فيما خص القضية الفلسطينية قبل أن يلتصق اسمه بلبنان أيضاً والخط الأزرق.
فيلتمان، هو الذي رفع بوجهه، الشباب التونسي في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، يافطة Feltman Go home.. وانتقل شباب الثورة التونسية إلى فتح حساب على الفيس بوك بعنوان: Jeffrey Feltman you are NOT welcome in Tunisia- جيفري فيلتمان أنت غير مُرحب بك في تونس..

لماذا يُنشئ شباب الثورة التونسية صفحة فيس بوك تُخبر من خلالها فيلتمان بأنه غير مرحب به؟
القضية بسيطة جداً.. يحتاج صناع القرار الرسمي العربي ليقرؤوا جيداً توجهات الشعوب، فهذا فيلتمان لم يكن مجرد سفير ببيروت، بل حاول أن ينفذ سياسة انتدابية، انكشف بعضها وسينكشف الكثير عنها، تقوم على أساس أنه «القنصل» الحاكم للبنان في الأعوام التي شغل فيها ذلك المنصب وما تلاها أيضاً في زياراته المكوكية وحرصه على الخط الساخن مع «الأصدقاء» الذين بينه ورايس وبينهم «لبنة وحمص» في عوكر.

بعد انفضاح الموقف الأميركي- الفرنسي فيما خص ثورة تونس حُمل فيلتمان مهمة أخرى في الدول العربية، فبكل وقاحة تعود الرجل على التعامل مع «نخبة» سياسية لبنانية من المعسكر الذي كان يسمى «14 آذار» كمندوب سامي لبلاده يستدعي ويتجول ويتدخل مصرحاً ومخططا، للمفارقة تعتبر «14 آذار» الثورات الشعبية العربية امتدادا لما يسميه هؤلاء «ثورة الأرز»!.
وهكذا، منذ الشهر الأول لعام 2011 نجد فيلتمان مقيما متجولا بين عواصم عربية متعددة.. جاء إلى تونس الثورة بعيد هروب بن علي، عله يستطيع لملمة الوضع من خلال بقايا النظام المخلوع وحرف الثورة عن أهدافها.. فجوبه بوعي واضح من شباب الثورة، رغم تعويل بقايا النظام على دور ما لواشنطن لوقف الأمواج المتعالية لتلك الثورة.. لتفاهة المشهد يظن رب العمل في واشنطن أن بضعة ملايين من الدولارات «كمساعدة» في حين سُكت عن الأموال المنهوبة من الشعب بالمليارات في العقارات والبنوك الغربية والأميركية والعربية..
ساهم جيفري فيلتمان في تخطيط وإبقاء سياسة مبارك في حصار غزة وبناء الجدار الفولاذي..
بعد الثورة في مصر حاول الرجل بكل ما ملك من قوة تجربته في لبنان التدخل في مخارج هذه الثورة، انتقل إلى البحرين.. فعمان والكويت.. الرياض وغير بعيدة صنعاء، التي وللسخرية يتهم رئيسها الشعوب العربية وشعبه الرافض له بأنه ينفذ مخططات أميركية- إسرائيلية لتخريب بلاد العرب.. لعل بعض القادة العرب الذين يقول لسان حالهم ممثلاً بالقذافي «لقد تخلى عنا الأميركيون والغرب» بشكل مبتذل حقا في حديثه لصحيفة لا جورنال الفرنسية الأحد 7 آذار حيث عدد تلك الخدمات وهدد ما يمكن أن يحصل من قرصنة وهجرة وانتشار التطرف وبأنه يقتل شعبه باسم محاربته للإرهاب، وهو يعبر عن تفاخر الخدمات التي تقدمها هذه الأنظمة لواشنطن وغيرها من العواصم في أوروبا، وهم يلعبون لعبة التذاكي الأميركي نصحاً وإرشاداً عل الشعوب تُصاب بخوف ورعب من تهم «العمالة والهلوسة» والمساهمة في خطط واشنطن لخلق فوضى وتقسيم.. لكنهم تناسوا ما يقولونه تهديدا لكي لا تتخلى واشنطن عنهم.. وتناسوا أيضاً أن ما أدى لتقسيم السودان وتهالك الأنظمة العربية هي الأنظمة نفسها وتبعيتها الذليلة لسياسة لا ترتبط بالمصالح الإستراتيجية لبلادها وشعوبها.. وانهيار منظومة العمل العربي المشترك والدخول في التخندق الفاشل للإبقاء على الحكم من دون مراجعة ولا محاسبة وبثقة أن واشنطن صامتة من أجل «الاستقرار» وبفكرة أن الشعوب لن تفهم سر العلاقة مع واشنطن ولن تربط الأحداث والسياسات ببعضها..
ترى هل يستطيع القادة، الذين اجتمعوا في سرت الليبية ومنحوا واشنطن ومحمود عباس الفرصة في ما يسمى عملية «السلام»، ثم تكرار الأمر من القاهرة بمزيد من منح الفرص لأوباما لبضعة أشهر كي يساعدوه في الانتخابات النصفية بمنح المفاوضات غير المباشرة فرصة ريثما يستطيع أوباما تحقيق وقف الاستيطان؟ أين أصبحت جهودهم وقراراتهم التي منحت الغطاء للسيد عباس؟ أم إن الماء البارد الذي رشه عليهم أوباما أصابهم بصدمة واعتبروا تصويت مجلس الأمن انتصارا رغم الفيتو الأميركي؟

جيفري فيلتمان ليس بعيداً عما يدور في كواليس القصور العربية، فالرجل ساهم في كل ما سبق (مع مبعوثين آخرين ولآخرين) من اصطفافات وتصنيفات في العالم العربي للتأسيس لما كان يُطلق عليه معسكر الاعتدال واستهداف المقاومة ودول الممانعة.. فقصة شيطنة الفكر المقاوم لم تقتصر على الرجل بقدر ما كان جزءا منها من خلال التدخل الأرعن لهؤلاء السفراء في شؤون داخلية لدول ذات سيادة أيام كان اليمين الأميركي يعمل على فرضية خلق شرق أوسط جديد تحت نيران العدوانية الإسرائيلية وترويض الأنظمة المعتدلة، وإن كان لبنان المثل الأكثر وضوحا فيما كان يفعله جيفري فيلتمان في عوكر مع مجموعة التبعية للسفارة الممتدة أفقياً وعمودياً..
فما الذي يفعله فيلتمان في خطواته الاستباقية في عدد من الدول التي تشهد ثورات وتلك المرشحة لها؟
جيفري فيلتمان أيها السادة مجرد واحد من مجموعة عمل أميركية (أمنية وسياسية) تشمل سفراء حاليين وسابقين في المنطقة ومبعوثين شبه مقيمين في منطقتنا.. صحيح أن باراك أوباما هو الرئيس المنتخب وهو الذي ألقى بعد انتصار الثورة المصرية خطابا وكأنه من ثوار ميدان التحرير (بعد ارتباك تونس الشبيه بموقف فرنسا الذي دفعت ثمنه وزيرة الخارجية) لكن من المهم الانتباه إلى مجموعة من الدبلوماسيين والأمنيين الذين لم يتغيروا منذ أن كانوا في الدائرة المحيطة ببوش، وإن انتقل بعضهم لمواقع خلفية، إلا أنهم يخوضون ما يمكنهم للتأثير في إعادة تموضع السياسة الخارجية الأميركية بما يسمح لها الإبقاء على الخطوط في شبكة المصالح الكبرى.. نفطية وغير نفطية ترتبط بالحليف الإسرائيلي..
لم يكن للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي مكانة إستراتيجية في علاقة الولايات المتحدة بدول وشعوب المنطقة، إلا عبر منظومة من الشخصيات العميلة لواشنطن في الحديث عن دول معينة لا تدور في الفلك الإمبريالي الأميركي.. لكن، الثورات الشعبية العربية التي أربكت حسابات واشنطن من حيث انطلاقها في الدول الحليفة تستدعي خيارين يركز عليهما أمثال جيفري فيلتمان: الأول، دعم الأنظمة الموالية كإستراتيجية أخرى بعد أن اشتكى هؤلاء مما سموه تخلي واشنطن عن مبارك كأحد أهم ركائز واشنطن وتل أبيب في المنطقة، وبالتالي سيستخدم الأميركيون طرقاً عديدة لإطالة عمر «الممالك» وتشخيص الانتفاضات الشعبية فيها بشكل مذهبي ومطلبي ليس إلا. الثاني، محاولة الإيحاء بأن المثل الليبي سيؤدي حتما إلى حرب أهلية وقبلية عند العرب، وهو ترداد مبتذل لخطاب رسمي ليبي وعربي صامت، حتى إعلاميا من حلفاء واشنطن في معسكر ما كان يسمى «الاعتدال».. والتركيز على مخططات في لبنان وغزة وعدد آخر من «البؤر» التي تراها تهديدا لتل أبيب.. ومحاولة التدخل واحتواء ثورات تونس ومصر وليبيا بطريقة تشير إلى ما أشار إليه أوباما عن أن تلك الثورات لم تحمل شعارات «ضدنا» أي إن مقياس تضخيم وتصغير شأن الثورات العربية قائم على المكان والسياسة التي تستند على انتهازية مقترفة.

عليه، لن يكون غريباً أن نجد جيفري فيلتمان ومجموعة مبعوثي واشنطن يحاولون كل ما بوسعهم لتخريب الثورات العربية في الأنظمة التي يتضح أنها تدور في فلك سياساتها.. وتقوم تلك المجموعة بحملة دعائية ودبلوماسية استخباراتية تهول بقراءات مزيفة ما يمكن أن يجري في لبنان عبر تحالف جيفري السابق والمتفكك هذه الأيام ولو بإعادة نفخ الحياة فيه لمصلحة إبقاء المحكمة الدولية والتهديد بالفتنة الطائفية سيفاً مسلطاً على لبنان..

مراهنات واشنطن عبر مجموعة جيفري فيلتمان أثبتت مدى الوعي الذي يتسم به الشعب في تونس ومصر وليبيا، وقبل في لبنان، وغيرها من الدول التي يغضب قادتها المنهارون مما يسموه سياسة «التخلي عنا» في مشهد غريب عجيب عن شرعية يستمدها هؤلاء من واشنطن وليس من شعوبها.. وهو غضب واضح المقاصد والأهداف.. لكن بالتأكيد هذا يُعد أحد منجزات الثورة العربية الشعبية في تعرية الواقع المزيف.

السابق
ناصر ونصر الله والنصر
التالي
من صنع بن لادن المختفي؟

اترك تعليقاً