النظام في سوريا: إيه في مؤامرة

في أروقة صناعة القرار في دمشق، ثمّة اقتناع مفاده أن «مَن تآمر على سوريا عام 2005، وعلى المقاومة في لبنان عام 2006، عاد اليوم ليتآمر على سوريا». وهذا «التآمر» أفقد النظام السوري ما كان يباهي به نظراءه، لناحية الأمن المضبوط في بلاد الشام. طوال ثلاثة عقود، كانت سطوة أجهزة الاستخبارات وحدها كافية لضمان الاستقرار. وخلال السنوات العشر الماضية، تجاوزت هذه الأجهزة أكثر من «قطوع»، رغم تقصيرها وقصورها أحياناً كثيرة في عدد من الملفات الأمنية البحتة، البعيدة عن الشؤون السياسية والاجتماعية.

منذ آذار الماضي، لم تعد صفة الأمان من مزايا سوريا. الكرة التي تدحرجت من درعا لم تتوقف عند مستقر لها بعد. وبعدما توسعت رقعة الاحتجاجات والأعمال الأمنية، رأت القيادة السورية، بحسب مقربين منها، أن التعامل التقليدي مع الأزمة لم يعد نافعاً. فخطيئة القمع في درعا أدت إلى نتائج عكسية. وبذلك، أصدر الرئيس السوري قراراً بتأليف لجنة أمنية ـ سياسية ـــــ إعلامية، لمتابعة هذه القضايا. ونتيجة لعمل هذه اللجنة مع وزير الإعلام السوري الجديد عدنان محمود، على سبيل المثال، عرض التلفزيون الرسمي السوري يوم الجمعة الماضي، لأول مرة في تاريخه، تظاهرات معارضة للنظام. ورغم كون هذا الإعلام لا يزال، إلى حد بعيد، يتصرف بعقل ما قبل عام 1990، تُعدّ الخطوة بحد ذاتها «إنجازاً» في تاريخ الإعلام الرسمي في دمشق، الذي لا يزال في معظمه يخشى نشر أسماء القتلى من رجال الأمن السوري، بذريعة أن في ذلك «انتقاصاً من هيبة الدولة».

وفي هذه اللجنة، يتولّى رئيس الاستخبارات العامة (جهاز أمن الدولة) اللواء علي المملوك، متابعة الشأن الأمني في سوريا. وخلال الأسبوع الماضي، باتت تقارير مختلف الأجهزة الأمنية ترد إلى مكتب مملوك. وبحسب مطّلعين على عمل اللجنة، يعود اختيار الأسد للمملوك في هذا الموقع إلى أسباب عدة، بينها خبرته الواسعة، إضافة إلى كونه من المسؤولين الأمنيين الذين كانوا يشددون منذ بداية الأزمة على عدم استخدام السلاح في قمع التظاهرات.

وتؤكد المصادر ذاتها أن القيادة السورية أصدرت أمراً بعدم إطلاق النار على المتظاهرين، وبعدم استخدام السلاح سوى في حالات الدفاع عن المراكز الأمنية والعسكرية التي تعرضت في أكثر من موقع لهجوم مسلح، على حد قول القريبين من دوائر القرار في دمشق. وهذا القرار ساهم إلى حد بعيد «بإنتاج هدوء شبه تام يوم الجمعة الفائت في التظاهرات التي جرت في عدد كبير من المناطق السورية». (يستغرب المقربون من النظام كون وسائل الإعلام التي باتت توصف بالمعادية، ضخّمت أعداد المشاركين في التظاهرات بنحو كبير جداً، ووصلت إلى حد القول إنه تخطى المليون متظاهر، فيما تتحدث المنظمات الحقوقية السورية المعارضة عن مشاركة عشرات الآلاف). وبعدما «أوقف عدد من أفراد هذه المجموعات، كان منتظراً أن يرافق الهدوء الأمني التظاهرات التي كان من المتوقع ألّا يكون عددها ضخماً. وقد صحت التوقعات رغم كل ما حفلت به الفضائيات».

وتلفت المصادر ذاتها إلى أن من «ينفّذون الأعمال المسلحة يسبقون الأجهزة الأمنية السورية بخطوات، وهم ينقلون عملهم بطريقة منظمة من منطقة إلى أخرى، مستهدفين تحويل كل المناطق السورية إلى بؤر توتر».

وبرأي المصادر ذاتها، «ما جرى في محافظة حمص أول من أمس كان يستهدف تعويض الهدوء الذي شهدته المدن السورية يوم الجمعة الماضي، فضلاً عن محاولة إفراغ الخطاب الذي ألقاه الرئيس بشار الأسد من مضمونه».

ويشبّه المقربون من نظام دمشق ما يجري اليوم (على صعيد الأعمال الأمنية) بما حدث عام 2005، «عندما شنّت الأجهزة الأمنية السورية حملة على تنظيم القاعدة، بعدما قرر الأخير تحويل سوريا من ممرّ إلى مقرّ، ونشبت حرب أمنية بين أجنحته دارت رحاها في المناطق الشمالية من سوريا». لكن الحملة الأمنية حينذاك «حظيت بغطاء دولي سمح بالقضاء على جميع الخلايا الناشطة التي هرب جزء منها إلى العراق ولبنان».

المصادر ذاتها تؤكد «سوء تعامل الأجهزة الأمنية السورية مع المتظاهرين، في حالات عديدة»، قبل أن تنتقل إلى تعداد عشرات «الأعمال الأمنية التي تثبت وجود حركة مسلحة» إلى جانب الاحتجاجات السلمية. وبحسب هؤلاء، «سقط داخل الأراضي السورية أكثر من 30 قتيلاً من أفراد الأجهزة الأمنية، كان آخرهم في حمص، العميد في الجيش عبده التلاوي، الذي هاجمته مجموعة مسلحة أثناء ترجله من سيارته أمام منزله وقتلته مع ابنيه وابن شقيقه، ثم مثلت بجثثهم. وفي حمص أيضاً اغتيل العقيد معين محلا والرائد أياد حرفوش اللذان كانا بدورهما في لباسهما المدني». وتؤكد المصادر ذاتها أن «المجموعة التي قتلت الضباط الثلاثة هي نفسها من أطلق النار على المدنيين والأمنيين الآخرين، ما رفع عدد الشهداء في حمص إلى 19 مدنياً وعسكرياً».

وداخل المحافظة ذاتها، باتت الأحداث «تنذر بفتنة مذهبية، بعد الشعارات غير المسبوقة في تاريخ سوريا الحديث، التي رُفِعَت في المحافظة، وليس أقلها تسويق شائعة مفادها أن من يطلق النار على المواطنين وقوات الأمن ينتمون إلى الحرس الثوري الإيراني، بحسب ما كانت تسوّق أمس إحدى الفضائيات العربية».

وثمّة لدى النظام رواية عمّا جرى في محيط قرية البيضا، قرب بانياس، الأسبوع الماضي، إذ «وردت معلومات تتحدث عن وجود مجموعة مسلحة، فتقرر إرسال قوة من الجيش لمواجهتها. وعندما وصلت القوة العسكرية، وقعت في كمين مسلح أدى إلى مقتل 6 من أفراد الجيش».

وتؤكد المصادر أن ما ذُكِر ليس «سوى الجزء اليسير من الأحداث الميدانية التي تشهدها البلاد. أما العمل الاستخباري اليومي، فما انكشف منه أدهى وأعظم، وهو يثبت حجم التورط الإقليمي والدولي في ما يجري داخل سوريا. وليست الكمية الكبيرة من الأسلحة التي ضُبطت آتية من العراق قبل يومين، سوى رأس جبل الجليد».

السابق
“مجاهدو خلق” ضحية الصراع الأميركي – الإيراني في العراق
التالي
“الموت البطيء” منظومة مبرمجة في خدمة الاحتلال

اترك تعليقاً