تواطؤ البرلمان على الصحة العامة في النظام الطائفي

الحق بالصحة عالميا، هو حق اساسي من حقوق الانسان المقوننة دوليا. حق يمتلكه جميع الناس بمعزل عن عنصر او لون او معتقد ديني او سياسي. وقد تلاحقت خطوات تطوير وتوسيع اطار مفهوم الصحة وتعريفها بدءا من اقدم القوانين في حقبة التصنيع عام 1802 في بريطانيا، وقانون الصحة العامة عام 1848، مرورا بالدستور المكسيكي عام 1843، وتتويجا بانشاء منظمة الصحة العالمية WHO عام 1946، والتي قامت بوضع ونشر مفهوم اجتماعي للصحة، فاستقر تعريف الحق بالصحة، وحسب ما فسرته اللجنة المنبثقة عن الامم المتحدة UN حول قانون حقوق الانسان، على المعادلة التالية:
"الحق بالصحة، هو حق كل انسان بالتمتع بصحة جسدية وعقلية ونفسية من خلال تقديم الرعاية الصحية المناسبة في حينها، كما المقومات الاساسية للصحة، مثل الحصول على مياه الشرب المأمونة، والاصحاح المناسب، والامداد الكافي بالغذاء الآمن والتغذية والمسكن، وظروف صحية للعمل والبيئة، والحصول على التوعية والمعلومات في ما يتصل بالصحة، بما في ذلك الصحة الجنسية والانجابية، كل ذلك بمعزل عن اي تمييز في العنصر والعرق والمعتقد الديني والسياسي والاجتماعي، وبمساواة وعدم تمييز".
هذا التعريف كما نرى، يشمل البيئة ايضا، وقد ترافق مع توجه الكثير من دول العالم المتقدمة، الى تغيير مفهوم الحق بالصحة لدى المجتمعات، من دائرة التركيز على الرعاية الصحية الى الحق في العيش في حياة صحية.
وفي جولة عالمية استطلاعية خاطفة ومبسطة، نجد تفاوتا واضح المعالم، في رسم سياسة مقاربة تحقيق هدف الرعاية الصحية للجميع، تبعا لتركيبة النظام السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي. وفي نوعية وعدالة التغطية الصحية وتوافرها عند الضرورة، وتفاوتها الطبقي، مع تشابه يكاد يكون الوحيد، ويكمن في عدم قدرة اي امة في هذا العالم، على توفير كل اشكال الرعاية الصحية لكل عضو في المجتمع وبالمستوى المطلوب!
اما دول العالم النامي ومنها الدول العربية، فهي تعاني من صعوبات وتحديات في تثبيت معادلة " تغطية اوسع مساحة اجتماعية من الخدمات " في مواجهة تصاعد التكاليف والمتطلبات العلمية والتقنية والعلاجية، وارتفاع الطلب بارتفاع مستوى الوعي الصحي (النسبي) ومعدل الاعمار. ذلك كله، يتحرك وسط صراع مكشوف بين الدولة الراعية وعناصر القطاع الصحي، وهنا يبرز دور الطبيب، والمستشفى، واصحاب القدرات المالية (شركات تامين، ودواء وصناعات طبية).
وفي عالمنا العربي، تبقى مشكلة تمويل الخدمات الصحية، سؤالا مطروحا وتحديا كبيرا،في ظل الازمة الراهنة في تمويل الخدمات الصحية، وهناك عجز كبير في الموارد، هو اكبر بأضعاف مما تقدمه الضرائب الداخلية والمساعدات الخارجية، والثروات المالية هي خارج الوطن وهنا برز مصطلح " تقاسم المخاطر " (التامين الصحي، الضمان الاجتماعي، التعاونيات…) للتخفيف او بديلا من معادلة الضرائب والتقديمات، وما يعتريها من خلل يتزايد باستمرار.
وما زالت السياسات الصحية العربية، تسير وفق معادلة يغلب عليها الطابع الاستهلاكي، فيما الشأن البيئي لا زال ثانويا في الاهتمام… وتستورد الدول العربية التقنيات الطبية الباهظة الكلفة (العراق؟) فهي لا تهتم كفاية بالقدرة على صيانتها ذاتيا، مما يبقيها تحت رحمة الدول المصنعة، لكن بعضها تبذل جهودا في الشان الدوائي، من حيث تغليب نسبة التصنيع الدوائي الوطني على المستورد (الا في لبنان طبعا) مما خفض فاتورة الدواء في هذه الدول (مصر وسوريا 90%)… لكن الدواء العربي المصنع قطريا، يبقى دون القدرة التنافسية في السوق العالمية، والمطلوب دواء يصنعه التنسيق والتعاون ما بين المال النفطي والعقول العلمية العربية،ومن خلال مركز عربي للابحاث في علم الدواء، لمنافسة شركات عالمية تعتمد مبالغ هائلة في الابحاث والتصنيع والتسويق (يصل بعضها الى 30 و40 مليار دولار سنويا…" وقد بلغت قيمة فاتورة الدواء في العالم العربي لعام 2010 ما مجموعه 15 مليار دولار من اصل 915 مليارا قيمة فاتورة السوق العالمية…
وفي لبنان، ان عدم قيام دولة قانون ومؤسسات، كان له التأثير السلبي الكبير على القطاع الصحي، مع وجود مؤشرات ايجابية لا تنكر. حيث يشهد نظام الرعاية الصحية حالة من التفكك والخلل الكبير ما بين القطاعين العام والخاص لمصلحة الاخير، وحالة من التفاوت في المجال الطبي والتمريضي والاستشفائي والمناطقي، وعلى مستوى تعددية الصناديق الضامنة وخدماتها، وبكلفة رعائية مرتفعة (حيث بلغ معدل الانفاق للفرد في عام واحد نحو اربعة اضعاف ما ينفق في الاردن وتونس على الرعاية الصحية لمواطنيها)، وبدواء مرتفع الثمن ومشبوه الفاعلية احيانا، وبهيمنة لخدمات الرعاية الصحية العلاجية، وضآلة دور الرعاية الصحية الوقائية، كل ذلك يسير على معادلة استهلاكية، يتخللها الكثير من الخلل.
في ظل نظام طائفي محاصصي، يغيب تخطيط السياسة الخدماتية مركزيا ووطنيا. استقالت وزارة الصحة العامة من دورها الرعائي المحدد في قانون انشائها عام 1946 (رعاية وتوعية ووقاية)، وتحولت الى مصرف مالي يذهب 80% من موازنته للقطاع الخاص، الذي نما وانتشر عشوائيا (خاصة بعد الحرب الاهلية). وسار النظام الصحي على معادلة استهلاكية بامتياز، تحكمه حركة المال ورأس المال والذهنية التجارية، والترجمة الخاطئة لشعارات الاقتصاد الحر والحرية والمبادرة الفردية، حولتها الى فوضى وشطارة وكلمة حق يراد بها باطل، مما ادى الى الواقع التالي:
– 163 مستشفى خاصا ( 14.5 الف سرير ) – سرير لكل 300 مواطن.
– 27 مستشفى حكوميا و35 مركزاً رعائياً اولياً.
– 11 الف طبيب (طبيب لكل 350 مواطناً)، وتخريج اكثر من 500 سنويا.
– 5200 صيدلي – وتخريج اكثر من 300 سنويا.
– 2400 صيدلية.
– 107 CT، اي جهاز لكل 40 الف لبناني مقابل 200 الف في فرنسا.
– 32 جهاز MRI، اي جهاز لكل 125 الف مقابل نصف مليون في فرنسا
– تعددية في المؤسسات الضامنة، وتفاوت في كلفة الخدمة الصحية بينها…
وهذا ادى الى فاتورة صحية تشكل 12.4 % من مجمل الناتج المحلي وهي الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة ( 14 – 15 % ). وقد سجلت لعام 2010 مبلغ 2.4 مليارات دولار، ويشوبها الكثير من "ثقافة الشطارة التجارية".
وباختصار، فان ما يصرف على الصحة في لبنان، هو اكبر من المردود الخدماتي من حيث "عدالته وشموليته وسرعته"، دون انكار ان في لبنان مستوى متقدما جدا في علم الطب والخدمات الاستشفائية، لكنه بحاجة الى تخطيط وتنظيم ورعاية تطبق القوانين وتضع الضوابط…

الدواء
حيث لا وجود لدولة قانون ومؤسسات في لبنان، تطبق سياسة دواء وطنية، تحكمت الذهنية التجارية بسوق الدواء، واسقطت جميع محاولات الاصلاح في هذا القطاع منذ عام 1971 حتى اليوم، بفعل تحالف تجاري – اداري – سياسي، يشكل "مافيا" استطاعت ان تسخّر القرارات والمراسيم والقوانين لخدمة مصالحها وارباحها الهائلة، اذا ما علمنا ان فاتورة الدواء في لبنان هي الاعلى في العالم ( قياسا بحجمه السكاني)، حيث سجلت 930 مليون دولار لعام 2010، وقاربت 40% من نسبة الفاتورة الصحية. ويصرف الفرد اللبناني 180 دولاراً سنويا على الدواء، مقابل 85 دولارا لمواطن مجلس التعاون الخليجي، و32 دولارا في مصر و24 دولارا في سوريا. والسبب في ذلك ان لبنان يستورد 92% من ادويته ويسجل معظمها باسعار مرتفعة عن سعر بلد المنشأ، ويصنّع 8%.
– يوجد في السوق اللبنانية اكثر من 5000 صنف دوائي، لا تخضع لرقابة مخبرية.
– 1200 متمم غذائي (اعشاب وفيتامينات وغيرها).
– لا وجود لمختبر للرقابة الدوائية.
– لا اعتماد للائحة اساس للدواء، تعتمدها المؤسسات الضامنة.
– لا توجد سياسة تسعيرية ثابتة وواضحة.
– ما لا يقل عن 30% من ادوية السوق هي اما، مجهولة المصدر او مركبة وهمية او مغشوشة او ممددة الصلاحية!

دور البرلمان
ايضا وايضا، يخضع البرلمان لسلطة وذهنية النظام الطائفي المحاصصي المتخلف. وحيث يوجد قانون جيد لمزاولة مهنة الصيدلة، فالعبرة ليست بالتشريع والقوانين، بل بمراقبة وحماية التطبيق، وهو ما غيّب منذ عقود وتحول وعودا كلامية ترصع البيانات الحكومية عند تأليفها. وخير دليل على ذلك، ما سوف تجدونه على غلاف كتاب "الدواء… مافيا ام ازمة نظام؟؟؟"، حين خاطب رئيس مجلس النواب في احدى الجلسات العمومية وامام الفضائيات قائلا: "ان مافيا الدواء استطاعت ان تعرقل اعمال مجلس النواب على مدى عقود من الزمن" ولم يلقَ هذا الاعتراف الخطير اي تعليق، او اهتمام!!
من هنا نرى، ان البرلمان هو صاحب الدور الاساس في ممارسة الديموقراطية الصحيحة في المساءلة والمحاسبة، وهو صمام الامان والسلطة الرقابية الأعلى في اي بلد نظامه ديموقراطي… فإن مارس دوره بالشكل الصحيح، تستقيم الامور وتنحسر مساحة الفساد، وان مارس الصمت والتواطؤ احيانا، يكون قد افسح المجال واسعا امام شتى اشكال الشطارة والفوضى والفساد والافساد…!

• نص قُدم امام مجموعة من النواب العراقيين والاساتذة الجامعيين، المدعّوين من قبل برنامج التنمية للامم المتحدة UNDP لدراسة التجارب البرلمانية في ممارسة الديموقراطية مواجهة الفساد، قدم النائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية، تجربته في هذا المجال وفي القطاع الصحي بالتحديد.
 

السابق
عيون وآذان (هذيان لا مقالات)
التالي
إعادة إنتشار بين فرنسا وأندونيسيا

اترك تعليقاً