البطريرك صفير… رحل دون أن يعلم أين يقع قصر المهاجرين

رحل الكاردينال نصر الله بطرس صفير، البطريرك الماروني السادس والسبعون الذي انتخب في 19 نيسان 1986 خلفًا لأنطون بطرس خريش وقاد الكنيسة المارونية خمسًا وعشرين عامًا حتى استقالته بداعي التقدم بالسن، وطوى برحيله هذا مسيرة مليئة بالمواقف الخالدة في تاريخ لبنان، حيث استطاع أن يحتل مكانة كبيرة لدى المسيحيين خصوصاً واللبنانيين عموماً.

كان للبطريرك صفير صاحب فكر نيّر وثقافة عالية، وبعد ان أمدّ الله في عمره ودخل التسعين من سنيه، أقدم على الإستقالة عام 2011 ليخلفه البطريرك بشارة الراعي، وليعيش آخر سنواته كرمز لبكركي التي عاش فيها أكثر من نصف حياته وتدرج على أعتابها ليصبح بطريركها.

أعلن خبر الوفاة فجر أمس، وأصدر رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري مذكرة أُعلن فيها الحداد الرسمي يومي الاربعاء والخميس وهو يوم التشييع وتوقف عن العمل في جميع الإدارات العامة والبلديات والمؤسسات العامة والخاصة.

اقرأ أيضاً: «البطريرك الكبير» (1): صنَعَ ربع قرن من تاريخ لبنان و… دَخَلَ التاريخ

وبانتظار التشييع المتوقع أن يكون كبيراً ولائقاً بمكانة البطريرك صفير، مواقف تاريخية لهذا الرجل ساهمت بتكوين تلك الشخصية الإستثنائية في العالم الديني المسيحي في لبنان، وللوقوف على أبرز هذه اللحظات واسترجاعها، يقول الكاتب السياسي نوفل ضو، في حديث لجنوبية، “أننا اليوم نستذكر الأيام التي استطاع بها البطريرك الراحل أن يحافظ على الحد الأدنى من دورة الحياة السياسية في لبنان عندما منع إسقاط البلد في الآحادية الفكرية بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية عندما ساهم من خلال مواقفه في بلورة مواقف سيادية في مواجهة الإحتلال السوري الذي كان قائماً في تلك الفترة”.

وأضاف: “نحن اليوم نعيش على انجازات البطريرك صفير بما في ذلك الأشخاص الموجودون في السلطة اليوم، بحيث لم يكن بإمكانهم أن يكونوا موجودين لا بموقع رئاسي ولا بموقع وزاري ونيابي لولا مواقف البطريرك”. وأشار الى أن هذه المواقف ساهمت بوقف محو الهوية اللبنانية والكيان اللبناني أكثر وأكثر، وقال: “ما نعيشه اليوم رغم كل السيئات كنا سنعيش أسوأ منه لو لم يفعل ما فعله البطريرك صفير في تلك الفترة”.

نوفل ضو

وعن الفراغ الذي سيتركه رحيله، أوضح ضو أن البطريرك صفير ومنذ العام 2011 وبعد استقالته لم يعد يقارب الموضوع السياسي والوطني كما كان سابقاً، وهو تصرف بكبر أخلاق كبير جداً عندما أمحى نفسه ليتمكن البطريرك الحالي من تولي مسؤولياته دون أن يكون هناك شيئاً من الإزدواجية في الكنيسة أو في المواقف وغيرها.

وقال: “النقطة الأساسية هي يوم وداع البطريرك صفير فهل سيكون يوم وداع للبطرك أو سيكون يوم تجديد العهد للبطرك من قبل المجموعات السياسية والشعبية التي اقتنعت بوجهة نظره وتعزم على اكمال ما بدأه، فهذا هو التحدي الحقيقي والإختبار الحقيقي، فبامكاننا أن ندفن مع البطرك مشروعه، وبإمكاننا أن ننتهز هذه المناسبة فرصة لنجدد للبطرك صفير تعهدنا بإكمال هذه المسيرة”. مضيفاً: “أنا أخشى أن يتحول الطابع الرسمي لهذه المناسبة الى محاولة من جانب أركان التسوية الى دفن مشروع البطرك صفير معه، وهنا يقع تحدي الناس فإما أن يدحرجوا الحجر وإما أن يكونوا مساهمين بوضع الحجر على هذا المشروع”.

خبر الوفاة يغيب عن “المنار”

تعليقاً على غياب خبر وفاة البطريرك الراعي عن مقدمة نشرة المنار المسائية أمس، قال ضو: “في عاداتنا وتقاليدنا نعرف أن أكبر العداوات تسقط عند الموت، فللموت حرمة، وأكثر من يقاتلون بعضهم البعض عند العزاء يضعون خلافاتهم جانباً، واليوم “حزب الله” حضر الى بكركي وقدم واجب العزاء ولكن كان يجب أن يكون هناك لفتة إعلامية على الأمر أقله من ناحية التضامن الإنساني.

وأضاف: “هذه مسألة لن تسيئ الى أحد، فهذا لن يقلل من قيمة البطرك إذا لم تحضر، ولن تزيد منها إذا حضرت، فلا يجوز رغم كل ما يحصل بين اللبنانيين أن تصل الأمور الى هذه المرحلة من الإزدراء في الموت وعدم احترام هذه الحرمة، خصوصاً أن الموت حق على كل إنسان ولن يكون هناك أحداً خالداً”.

اقرأ أيضاً: عاد من حيث أتى

مقولات تاريخية للبطرك صفير

يتمتع تاريخ البطرك صفير بمحطات شهدت على مواقف ومقولات خلدها التاريخ بإسمه، وفي هذا الإطار، استذكر ضو بعضاً منها وقال: “عندما سأل زميلنا درويش عمار البطرك صفير متى سنراك في قصر المهاجرين فأجابه أين يقع قصر المهاجرين؟”.

وفي موقف آخر، أشار ضو الى يوم زار البابا يوحنا بولس الثاني دمشق، وعندها طُلب من البطرك صفير أن يوافيه فاعتذر من البابا حينها، وكان التبرير العلني لهذا الإعتذار حينها أنه قال: “أنا لا أذهب من دون رعيتي، ورعيتي لا تريدني أن أذهب الى هناك فأبقى مع رعيتي، هناك الكثيرون ممّن يمكن أن يقوموا بواجب استقبال البابا ولكن أنا أبقى مع رعيتي فإما أذهب معهم أو أبقى معهم”.

آخر تحديث: 15 مايو، 2019 4:49 م

مقالات تهمك >>