«البطريرك الكبير» (1): صنَعَ ربع قرن من تاريخ لبنان و… دَخَلَ التاريخ

مقتطف: نصرالله بطرس صفير، البطريرك الشّجاع، لم ترهبه حملاتُ التهديد، وَقَفَ ضدّ الحرب، دَعَمَ الطائف وقاوَمَ بعنادٍ الوصايةَ السورية على لبنان.

قد لا تكون المصادَفاتُ التاريخيةُ أحياناً مجرّدَ صدفة. وثمة تواريخ تَصْنَعُ في تَلازُمِها التاريخَ عيْنه… هكذا هي حالُ البطريرك الماروني السابق الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ولبنان الكبير يوم وُلدا معاً في العام 1920 وتَماهيا في السراء والضراء…

وها هو البطريرك يترجّل (توفي فجر الأحد) عن عمر 99 عاماً فيما لبنان كأنه يحْتضر مع «الأيام البائسة».

ولم يكن أدلّ على هذا التماهي من أن البطريرك الذي فَرَك عينيْه للمرة الاولى حين كان الجنرال الفرنسي غورو يعلن ولادةَ لبنان الكبير، حَفَرَ الجبلَ بالإبرةِ لبلوغِ لبنان استقلاله الثاني في العام 2005 مع خروج الجيش السوري بعد الاسرائيلي (انسحاب العام 2000) من الأراضي اللبنانية إثر «ثورة الأرز» التي شكّل روحَها. لم يكن مجرّد رجل دين، ولا هو قائدٌ سياسي أو زعيم ميليشيا أو قطْب يُوالي ويُعارِض أو مرجعية تبحث عن أدوار… كان ما فوق السياسة وألاعيبها ومكائدها ويومياتها وكرّها وفرّها ومناوراتها، كان رمزاً للوطنية اللبنانية وكرامتها، جسّد في عظاته ومواقفه وجرأته أيقونةَ العيش المشترك الإسلامي – المسيحي وحارسَه.

اقرأ أيضاً: عاد من حيث أتى

في واحدةٍ من الليالي الليلاء أيام المعركةِ القاسية ضدّ الوصاية السورية، لم يتردّد رئيس الحكومة رفيق الحريري الذي اغتيل في 14 فبراير 2005، في القول «إن كلام البطريرك بطريرك الكلام» يوم كان هذا «الختيار» يتقدّم بصلابته وحِكْمَتِهِ وهَمِّهِ الوطني معركةَ الدفاع عن سيادة لبنان وحريته واستقلاله. حكايا كثيرة ستُروى عن «بطريرك الوحدة الوطنية» نشرتْ «الراي» خفاياها في سلسلةٍ من الحلقات – المذكّرات يوم كان كتاب الزميل أنطوان سعد «السادس والسبعون – مار نصر الله بطرس صفير» ما زال تحت الطبع، واستقتْ بعضها الآخَر من حوارات خاصة لـ«الراي» معه في بكركي (مقرّه الشتوي) وفي الديمان (مقرّه الصيفي).

فرغم أنه كان مُقِلّ الكلام، ولكن مختصرَه المُفيد غالباً ما كان يتردّد صداه بعدما تحوّل رأس الكنيسة المارونية واحداً من أبرز صنّاع الرأي العام الذي يَحْفظ له مسيرتَه المديدة في خدمة الفكرة اللبنانية والكيان والعيش المشترك. لا يمكن أن يُكتب كل ما في الإمكان أن يقال عن شخصيةٍ نادرةٍ مرّت في تاريخ لبنان الحديث، دينية لا طائفية في المعنى السياسي، سياسية في مَداها الوطني، متواضعة رغم فائض صلابتها، حكيمة في زمن طغيان الظلم.

ولا يمكن لأيّ شخصٍ أن يحظى من التكريم والإشادة والثناء، وكذلك التجريح والانتقاد والاعتداء كما نال بطريرك الحرية، الذي شكّل علامةً فارقة جسّدها هذا الرجل الآتي من إحدى بلدات كسروان في جبل لبنان (ريفون) الى السدّة البطريركية التي أُعطيتْ مجدَ لبنان.

في الجلسةِ معه وفي حواراته وأمام الذين يأتون إليه من كل حدبٍ وصوب، لم يكن يحتاج المرء إلى عناءٍ ليكتشف أن الجالسَ في صدر الصالون الفسيح أو خلف مكتبه الصغير مفكّرٌ ونقي و ورِع، لمّاحٌ صاحب نكتة، سريع البديهة، مثقّف، كاتِب رفيع يتقن العربيةَ وضليعٌ بها كأنه أحد أعلامها، إلى جانب الفرنسية والانكليزية والايطالية والسريانية بطبيعة الحال.

عُرف عن البطريرك الراحل أنه متابعٌ ومطلع، واكَبَ التطور التكنولوجي، وعَبَر رغم تقدُّمه بالسن الى عالم الكمبيوتر، فأتقنه وصار يستخدمه في صورة دائمة، يقرأ ويكتب عبره.

صبورٌ ومستمع، رياضيّ اعتاد المشي في ساحة بكركي ووادي قنوبين، ومتّزن في علاقاته وكلامه وحياته اليومية، متقشف ويرضى بالقليل اليومي، ولا يرضى سوى بالكثير من حياة روحية مارسها بفضائل لم تمسّها يوماً شائبة.

وعلى مدار توليه السدة البطريركية (بين 1986 و 2011)، تحوّلت عظات صفير (99 عاماً) الأسبوعية محطةً دائمة وجّه من خلالها رسائل سياسية منحتْه بُعداً وطنياً، وهذا لم يكن مفاجئاً للكثيرين. اذ منذ اختياره بطريركاً ظَهَرَ الجانب الوطني والسياسي المحنّك لرجل شجاعٍ لا يخشى التحديات ولا يخاف مواجهة العزلة والهجمات والمكائد والتضييق عليه. وقد عَرف بحنكةٍ أن يقول كلمته، فلا يتراجع أمام التهديدات بأن «العشب سينبت على أدارج بكركي».

لم تبدأ قصته مع السياسة يوم أطلق النداء الأول للمطارنة الموارنة في سبتمبر من العام 2000 والذي طالب فيه بخروج الجيش السوري من لبنان فشكّلت هذه المحطة أول قرْع لأجراس عودة سورية الى سورية، وأوّل الغيث في بداية المرحلة الثانية من مسيرة الاستقلال التي كان صفير مُطْلِقها ورائدها والى جانبه كوكبة من السياسيين الذين بدوا وكأنهم «المكتب السياسي» لبكركي والذين عُرفوا بـ«لقاء قرنة شهوان» كسمير فرنجية وفارس سعيد وسيمون كرم وسواهم. لكن قصة صفير مع الوطن الذي أَحبه واعتلى منابر العالم كلها من أجله، بدأت لحظة تسلمه مهماته بطريركاً على انطاكيا وسائر المشرق العام 1986، وصولاً الى تدشينه المرحلة الأولى من مسيرته عندما رعى اتفاق الطائف (1989) الذي أنهى الحرب الاهلية، وتحمّل بسبب الدفاع عنه اضطهاداً ومشقّات وحملات تَجنٍّ لا توصف ولكنه صمد كالصخرة بوجه العواصف التي هبّت من الداخل والخارج. انتُخب بطريركاً في 19 ابريل 1986 خلَفاً للبطريرك الكاردينال مار انطونيوس بطرس خريش، ليصبح البطريرك السادس والسبعين للكنيسة المارونية.

يومذاك كانت الكنيسة المارونية في قمة ريادتها لدورٍ وطني حَمَله صفير يوم كانت الحرب الأهلية تعصف باللبنانيين، ويوم دخلتْ الحرب لتؤجج الفتنة بين المسيحيين أنفسهم. حين انتخُب لم يظنّ أحد من معاصريه أن مَن كان أمين سر البطريرك مار بولس بطرس المعوشي وخلَفه البطريرك مار انطونيوس بطرس خريش، سيكتب في سجلّ بكركي ولبنان ما لم يكتبه كثر من أسلافه، ويرتقي ليكون «البطريرك الكبير». وما جَعل مسيرة ربع قرن في السدة البطريركية تدخل التاريخ أنها بدأت في عزّ الحرب التي اندلعت العام 1975، وفي خضم الخلافات التي كانت تعصف بالمسيحيين، على خلفية التباين الحاد بعد توقيع الاتفاق الثلاثي (وقّعه في دمشق بتاريخ 28 /‏‏12 /‏‏1985 كل من ايلي حبيقة ممثلاً «القوات اللبنانية»، نبيه بري ممثلاً حركة «أمل» ووليد جنبلاط عن (الحزب التقدمي الاشتراكي) وانقلاب الدكتور سمير جعجع عليه وعلى رئيس الهيئة التنفيذية لميليشيا «القوات» آنذاك ايلي حبيقة، فسعى البطريرك صفير وبصبرٍ وحكمة الى التخفيف من التشنجات الداخلية وفتْح أقنية حوار مسيحية داخلية ومسيحية – إسلامية، وعزز لقاءاته واتصالاته مع القيادات الاسلامية في ذلك الوقت. لم تبدأ مسيرته السياسية الفعلية – وإن كان رَفَضَ دائماً ان يقال عنه إنه يتعاطى السياسة بل الشأن الوطني – إلا حين شارفتْ ولاية الرئيس امين الجميل على الانتهاء. أي بعد سنتين من تسلُّمه مهماته، وقد شغلهما برحلات عمل خارجية متعددة عنوانها الحفاظ على لبنان ووقْف الحرب وإحلال السلام فيه.

ومع اقتراب انتهاء ولاية الجميل، تحوّلت بكركي مقْصد السياسيين المسيحيين وغير المسيحيين. وصار لصفير دور تلقائي معنيّ بالاستحقاق الرئاسي، بعدما وصل الجميع الى حالة العجز عن الاتفاق على رئيس جديد للجمهورية. وبين الجميّل الذي كان يردّد ان لديه تركيبة جاهزة للحكومة الانتقالية اذا لم تَجْرِ الانتخابات الرئاسية، وبين ضغط سورية وإنذار الولايات المتحدة للمسيحيين وتخييرهم بين «انتخاب مخايل الضاهر أو الفوضى»، عَبَر صفير مجموعةً من الألغام. بدأ النواب المسيحيون يلتقون عنده في صورة دورية، لكن الاجتماعات لم تؤد الى نتيجة، فأنهى الجميل عهده في سبتمبر 1988، وعيّن قائد الجيش العماد ميشال عون رئيساً لحكومة (عسكرية) انتقالية، وفق الدستور الذي سبق اتفاق الطائف.

وبين 1988 و1990 كانت المرحلة السياسية الأولى التي اجتازها صفير بصلابةٍ جعلتْه متمرّساً في مواجهة المصاعب الداخلية مسيحياً ولبنانياً. في تلك المرحلة عرف لبنان أول شغورٍ في رئاسة الجمهورية، وعَرَف المسيحيون حربيْن أطلقهما عون، الأولى «حرب التحرير» ضدّ سورية في 1989 والثانية «حرب الإلغاء» ضد «القوات اللبنانية» في 1990.

وقد حاول صفير في الحربيْن تخفيف الويلات والكوارث، فكثّف اتصالاته ولقاءاته المحلية والدولية وسعى الى وقف النار ولا سيما خلال «حرب الإلغاء». وفي خريف 1989 أعطى صفير، وكان حينها في روما، موافقته على كل ما تؤيّده القيادات المسيحية في اتفاق الطائف. وكان النواب الموارنة المجتمعون في السعودية لمناقشة الاتفاق، يُطْلِعونه في صورة دائمة على ما يجري من نقاشات، فيما كان عون يخْطب في الحشود التي أمّت قصر بعبدا ضدّ الاتفاق والنواب المسيحيين.

اقرأ أيضاً: السيرة الذاتية للبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير

ولم تشهد بكركي في تاريخها ما شهدتْه يوم هاجمت مجموعة من مناصري عون البطريرك صفير لأنه وقف مع اتفاق الطائف ومع انتخابات رئاسة الجمهورية التي أوصلت الرئيس رينيه معوض الى الحكم وليس إلى قصر بعبدا. لم يتعرّض صفير في تاريخه لما تعرّض له في بكركي يوم 5 نوفمبر 1989 والذي جَعَلَهُ يغادر فجر اليوم التالي الى الديمان المقرّ الصيفي للبطريركية (في شمال لبنان) والذي يقع خارج حدود ما كان يُعرف بالمنطقة الشرقية، فتقاطرت إليه شخصيات ووفود تدعمه وتؤيّد مسيرته. لكنه عَرف كيف يتفادى التورّط مع حلفاء سورية الذين استفادوا من الظرف للمجيء الى الديمان، فهو كان شديد اليقظة السياسية ولا تنطلي عليه «الأفخاخ».

وعاد البطريرك إلى بكركي، في 23 نوفمبر، من دون أن يبدّل حرفاً قي اقتناعاته، وظلّ مع الطائف ورَفَضَ ما يجري في بيروت الشرقية، في ظل استعداد عون لـ«حرب الالغاء» التي كانت لها آثار مدمّرة ومأسوية على الواقع المسيحي.

آخر تحديث: 13 مايو، 2019 4:00 م

مقالات تهمك >>