بطرس البستاني في لغتي كصحافي

قبل أكثر من سنة وكنتُ أباشر تحضير كتابي الذي سيحمل لاحقاً عنوان: "المهنة الآثمة - نقد تجربتي في الكتابة السياسية" ويصدر في تشرين الثاني العام 2018 كتبتُ التالي عن تأثير بطرس البستاني في لغتي كصحافي، ولم أكن أعلم أو لم أكن منتبِهاً أنه بعد عام ستحل ذكرى مئويته الثانية. جاء ذلك في الكتاب كجزء من الفصل الأول الذي حمل عنوان : "اللامَقال- انشقاق اللغة واشتقاق السياسة":

لِتُنَجِّني الكلماتُ من الكلمات، عندما الشغفُ وقصورُ اللغةِ يأخذان إلى سطوة الكلمات الكبيرة… إلا حيث يلزم. من يحدِّد ال”يلزم”؟ لا أحد في كتابة التعليق السياسي اليومي حتى لو لم يكن يومياً. عليك أن تحفظ بعض تقاليد السَرَيان اللغوي السهل والممتع من الزملاء المصريين، وتضيف إليه بعض الدقة في استخدام الكم السردي اللبناني اعتبارا من الستينات والسبعينات وتتعلم من السطحية العميقة للتعليق السياسي الأميركي معلوماتٍ واستنتاجاً، وتقرأ دون إدمان أو مع إدمان دون استعراض مبالَغٍ به الحرصَ الثقافي في الكتابة الصحافية الفرنسية، (والفرنكوفون اللبنانيين) وتكتشف بين الحين والآخر نفاذ (من نفّاذ) التحليل في الصحافة الألمانية المترجمة، وإذا وُفِّقْتَ بقاموس جيّد التقاط التهكّم الانكليزي الهادئ.
لم أُخْفِ يوما رغبتي بالاشتقاق اللغوي. لأن اشتقاق مفردة من لغة أخرى، بل حتى تصريفها، هو استقدام لغة إلى اللغة العربية وليس ترجمتها فقط. الترجمة مفيدة وضرورية لكن الاشتقاق هو اختبار تحرّري للّغة وللكاتب بالنتيجة. سلَطَةُ اللغاتِ في لغة تصبح “اللغة الأم” لأنني – لأنك تكتب بها هي حاجة لا فقط لخدمة الفكرة أو المعلومة التي تريد إيصالها بل هي أيضا حاجة لمتعة القبض على لحظة السباحة في ماء المعاصَرة كأنك تسبح في بحيرة تنكشف أمامك في صحراء لغتك.

اقرأ أيضاً: دروس الوطنية لأهل السياسة: الجمهور والجماهير

لكن مسألة الاشتقاق لا أعنيها فقط بتعريب مفردة من لغة أخرى، نقلها كما هي وليس ترجمتها، أعنيها أيضا بكونها “انشقاقاً” أي بما يخالف القواعد الصارمة للنحويين للاشتقاق داخل لغتنا. حتى بمعنى الانشقاق عن بعض معايير الجمهور العادي في استخدام الكلمات ومفاهيمها. النحويّون هم بالتعريف المهني أصوليون. بهذا المعنى الاشتقاق يصبح انشقاقاً. والانشقاق أيضاً يمكن أن يكون نوعا أيضا من “الاستقلال” عن القراء في ذروة مخاطبتهم أو ، من يدري، التقرّب إليهم في بحثهم وتوقعهم الدائمين عن التجديد، استحسنوه أم لا.
لقد حاججتُ دائما أن المهم في أي اشتقاق أن لا يخالف روح اللغة وليس قواعدها إذا جاز التعبير. نصْبُ الفاعلِ أو رفْعُ المفعولِ به، مثلاً، هو مخالفة لروح اللغة. لكن لماذا النسبة لفعل كأنه إسم يثير غضب اللغويين: استعار-استعاريون، أو لمصدر: موت- موتويّون وموتويّان، أو لكلمة أجنبية: يونفرسال- ليس فقط يونفرسالي بل أيضا يونفرسائي، أو لصفة: بائس – بأساني… وهناك آلاف الأمثلة من “الحاجات” التي تحضر في لحظة الكتابة “المريرة”. حاجات تفرض الاشتقاق وتتيحه في كل الاتجاهات كما حصل في عقود طويلة من جهود الترجمات المؤسساتية والفردية إلى اللغة العربية وكما يمكن أن يحصل في كل لحظة ولأيِّ كاتبٍ أو صحافي.
لا حدود لقدرة اللغة العربية على تحمل الاشتقاق والانشقاق من داخلها أولاً ومن خارجها تاليا ولكن بنسبية أكبر. فكيف إذا اجتمع مع خاصيّتها البنيوية هذه، معطى أن المعرفة الحديثة الهائلة تجعل اللغة بل كل اللغات أقوى على عناق المختلِف من المفردات بل على اللعب والتلاعب الذكي والرصين والرشيق بها. بالنتيجة اللعب الرائع.
غير استخدام المصطلح الأجنبي وتصريفه عربيا(البعد الأول)، وغير الاشتقاق- الانشقاق من داخل اللغة على أساس روحها لا بعض قواعدها التي لا تتصل بروح اللغة وإنما بمعوقاتها ولا أريد أن أقول بإعاقاتها كما شرحتُ (البُعد الثاني).. هناك بُعدٌ ثالث يتعلق باللهجة العامية أو المفردة العامية. كنتُ دائما لأسباب تتعلق بتربيتي ومزاجي اللغوي شديدَ النفور من استخدام المفردة العامية في مقالي. الصدمة الإيجابية الأولى في تخفيف هذه الحساسية بدأت مع بدء استخدامي لقاموس “محيط المحيط” (3) لبطرس البستاني الذي أنجزه عام 1870 أي قبل حوالي ماية وخمسين عاما، وبالنسبة لي بدء استعماله بعد ماية وعشرين عاما على هذا الانجاز في الثمانينات من القرن العشرين.
في معجم البستاني تبيّن لي أن الكثير من الكلمات العامية هي فصحى أو أن البستاني “جعلها” فصحى. حمل معجم البستاني مزاجي اللغوي، بل ذوقي اللغوي، إلى مدى أوسع. غيّره بمعنى ما، أو كسر جزءا مهما من محرَّماته. ليس بمعنى أنني تبنّيت بعض مفرداته بلا قلق، بل الأهم أنه شجعني على أن أكون أكثر حرية واندفاعا في اشتقاقات الكلمات.
استمر ذلك طويلا إلى أن بدأت ثورة الاتصالات… لأجد نفسي تدريجيا أقبل باستخدام العامية في التراسل المكتوب على الهواتف المحمولة وتزيد عندي ولو بشكل محدود نسبةُ استخدام المفردة العامية في مقالاتي إلى حد أنني فوجئت قبل فترة قصيرة بالزميل فرانسوا عقل يقول لي أنني “جريئٌ جداً” في استخدام كلمة “شَلَمَسْطي” في أحد مقالاتي. ربما كان يقصد بملاحظته الاعتراضيّة المهذّبة أنها كلمة تحقيرية (استخدمتها في وصف بعض عناصر الطبقة السياسية اللبنانية). كانت هذه شهادة صادمة بمعنى ما. فإذا كان رئيس التحرير السابق لجريدة “النهار” التي مثّلت المدرسة الأهم في الصحافة اللبنانية من حيث استخدام المفردات العاميّة بل حتى اللهجة العامية في مراسلات ومقالات محرريها، ولطالما استفزّني ذلك حتى بعد انتقالي إليها… إذا كان فرنسوا عقل صار يعتبرني مبالِغا في هذا الاستخدام فمعنى ذلك أن “إصابتي” كبيرة. لماذا أقول “إصابتي” لأنني أُشبّه التحولات الشخصية التي أرغمتنا ثورة الاتصالات عليها بِـ”عضّة الذئب” في فيلم جاك نيكولسون (الذئب) حين تحوِّلُهُ العضّةُ التي تعرّض لها من كلب – ذئب شارد، تدريجيا إلى امتلاك قوة حواس الذئب وتغيِّره بالنتيجة. سمّيتُ التحولات التي أرغمتنا عليها التكنولوجيا الجديدة ب”عضة التكنولوجيا”. صرنا نستخدم الكومبيوتر ونكتب عليه مع كل تقاليده الجديدة ومنها استخدام العاميّة أحيانا في المراسلات الشخصية على “الواتس آب” دون أي تردد بل دون أي “وازع”.
قبل أن أصل إلى هنا استغرقت مقاومتي أكثر من عقد لاستخدام العامية في الكتابة. طبعا منعاً لسوء التفاهم فأنا أتحدث عن فقدان حساسية سلبية سابقة تجاه استخدام العامية. أما الكتابة بالفصحى فهذا مزاج وحاجة “مقدسان” عندي كما عند كثيرين لن يتبدّلا طبعا طالما أنا على قيد الحياة……

آخر تحديث: 7 مايو، 2019 11:05 ص

مقالات تهمك >>