بعد مرور عام.. طرابلس ما زالت تحترف الحزن والإنتظار!

في مثل هذا اليوم منذ سنة ، إندلعت المعركة الانتخابية في طرابلس بين القوى المتصارعة على إنتزاع اكبر عدد ممكن من المقاعد النيابية الثمانية التي هي من حصة المدينة .

جرت الإنتخابات في السادس من أيار الماضي، بعد تسع سنوات عجاف من التمديد التلقائي للمجلس النيابي، ولأول مرةٍ في تاريخ لبنان، بناءً على قانون نسبي أنجبته القوى السياسية بعد مخاض عسير جداً، استدعى إجراء عملية قيصرية عبثت أثناءها، مِقصّات أمراء الطوائف والأحزاب، تقطيعاً وتقطيباً، فرزاً وضماً بين المناطق والأقضية، الى ان خرج القانون الوليد مشوّهاً، ولكنه مفصّلٌ على مقاساتهم، وضامنٌ لإعادتهم الى مواقعهم سالمين غانمين.

في يوم الاستحقاق، كان التحريض وشدّ العصب في أوجه. سقوف الخطابات الانتخابية بلغت ذروتها. حماوة المعركة كانت توحي بأنّ تحرير فلسطين سيمر من شوارع طرابلس. الحشود حُشدت. المزادات العلنية للوعود فُتحت. ملايين الدولارات دُفعت. مهرجانات التأييد والفرح بالمخلص الآتي أُقيمت.

يومها كانت سيمفونية “وحدة الصف” بضاعة كاسدة. أما الرائج فكانت لغة الحرب والتشهير والتقويض والإقصا ، والدعوة الى هدم الهيكل القديم المتهاوي، لإعادة بنائه من جديد، لأن الترميم والترقيع لم يعُد ينفع في وقف استنزاف المدينة وتهميشها  كل المتصارعين على تمثيل المدينة الموضوعة في غرفة العناية الفائقة منذ عقود، كانوا يؤمنون بأنّ الفتق قد اتسع على الراتق، وأنّ أوان التغيير قد حان. يومها قال كل فريق بثقة وعنفوان مزيفين: مفاتيح الحلّ في جعبتي ، فإما أنا ، أو الخراب المستدام . فأحسنوا الإختيار يا أهل طرابلس.

اقرا ايضا: اللعب على حافّة الهاوية: هكذا بدّدت الطبقةُ الحاكمة أموالَ الخزينة اللبنانية

انتهت الملحمة الانتخابية. هدأ ضجيج الناس الذين باعوا اصواتهم لمَن دفع اكثر، والذين إقترعوا لطوطمهم المعبود، وبطلهم الذي يُفتدى بالروح والدم. بدأت لحظات الترقب، والمتنافسون متشوّقون لمعرفة ماذا أثمرت عنترياتهم البهلوانية ووعودهم الخلّبية وأكاذيبهم البيضاء التي لم يسبق ان عوقب عليها أحدٌ . صدرت النتائج، ثمانية من المرشحين حظيوا بلقب السعادة، ودخلوا جنة البرلمان. الامتحان الاول الذي يُكرم فيه المرء او يهان قد انتهى. ومع انتهائه دقت ساعة العمل الدؤوب للوفاء بالعهود والأيمان المغلظه التي لا زالت اصداؤها تتردد حتى اللحظة في ارجاء الفيحاء. الناس بدت متحمسة لتدشين عصر جديد من الإنجازات، ولبدء مرحلة التعويض عن فرص المدينة الضائعة وخساراتها المتراكمة عبر السنين.

سنة مرّت من عمر اهل طرابلس، وهم ما زالوا ينتظرون. وقبلها مرّت عشرات السنين كانوا خلالها ينتظرون أيضاً. انقضى ربع المدة من عمر المجلس النيابي، ولم تظهر أيّ علامات أو بشائر تؤكد قُربَ ظهور منقذ المدينة ومهديها المنتظر الذي سيملأها قسطاً وعدلاً ، بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً. إنقضى ربع المد ، ولم يلمح أحدٌ أيّ أثرٍ لقدوم مخلّصها الموعود، وهي ما زالت معلّقة على خشبة، تحترف الحزن والإنتظار، وترتقب الآتي الذي لا يأتي، وما زال تجار الهيكل يمارسون إغترابهم الطوعي في منافيهم العاجية بعيداً عن ضوضاء العوام ووضاعة الدهماء والرّعاع الذين أخفضوا لهم جناح الذل، وقبّلوا أيديهم ذات أيار، بغية الحصول على رضاهم، ومن ثم سرقة أصواتهم .

منذ ذلك التاريخ، لم يتغير أي شيء يُذكر، بإستثناء حدث جلل، وهو ان الذين سبق لهم ان تصارعوا وتبادلوا الاتهامات بالعمالة والخيانة في سباقهم المحموم للوصول الى معبودتهم “الكرسي”، عادوا وتصالحوا وتصافحوا وتعانقوا من أجل نفس الكرسي. لم يتغير أي شيء يُذكر، باستثناء انّ نِسب الفقر والحرمان والبطالة في المدينة قد ارتفعت، وأزمة الثقة بين الناس والساسة قد تكرّست وتفاقمت، وهو ما كشفته الانتخابات الفرعية، عندما فضحت حجم الهوّة التي اتسعت بين الطرفين.

بإختصار ، نوّاب المدينة سقطوا في إمتحان الثقة للمرة الألف. ليس لأنهم عاجزون عن الإنجاز، بل لأنهم ساديّون، ولا يريدون الإنجاز. اهل المدينة بدورهم سقطوا في إمتحان الإختيار، ليس لأنهم يجهلون حقيقةَ مَن اقترعوا لهم، بل لأنهم لا يريدون أن يصدّقوا أن الديمقراطية اللبنانية التي يخوضها أصحاب المليارات، ليست أكثر من “زوبعة في فنجان”، هدفها إعادة تموضع القوى السياسية داخل منظومة السلطة والتركيبة الحاكمة، ويتوهم الناس على وقع طبولها وشعاراتها الحماسية انهم مختارون ومؤثرون ومقررون لمصائرهم.

ولكن ما أن ينجلي غبار الزوبعة، حتى يكتشفوا انها ليست سوى طقسٍ موسميّ لتكريس قبضة القيادات التقليديه على رقابهم، أو لتوريثهم كالمتاع والممتلكات لأبنائهم الذين لم يبلغوا بعد مرحلة الفطام، وأن عليهم ان يجلسوا من جديد، على قارعة الإنتظار  والعبثية يدحرجون صخرة “سيزيف”، ويرجون حدوث أعجوبةٍ أو معجزةٍ يبدو انه من المستحيل أن تحدث، ولاسيما بعد أن قُرعت في البلد أجراس التقشف والإفلاس.

السياسة في كل مكان هي فنّ الممكن، إلا في لبنان فهي فنّ الخداع الذي يجعل الوعودَ الكاذبة التي من فرط تكرارها، تبدو كأنها حقيقيةً وممكنة التحقيق. فيا عشّاق الزعيم المحترف لخدعة ” إعمل نفسك ميت”، لو راجعتم كل تاريخه وسجلاته بحثاً عن إنجازات تفقأون بها عيون خصومكم، فلن تعثروا إلا على خطابات وتصريحات، الصدقُ فيها مجرد زلة لسان، وكل ما عدا ذلك، هو كلام بكلام.

فأهلاً وسهلاً بكم في قاعة الحزن والإنتظار، برفقة التعساء والبؤساء والمترقّبين لما لا يأتي.

آخر تحديث: 7 مايو، 2019 2:45 م

مقالات تهمك >>