عقدة الحكم عند الشيعة

يعتبر البعض أنّ الشيعة يعانون من عقدة، نتيجة عدم تمكّنهم من الاستمرار بسلطة سياسيّة، فقد تسلّموا زمام أمور بعض البلاد ثمّ اندرسوا، كما وسكن الشيعة العديد من البلاد وسرعان ما انقرض وجودهم فيها!

يجب النظر لهذا من زاويتين؛ وهما زاويتان مترابطتان أحياناً، أحدهما: الزاوية التاريخيّة، أي عندما نشأت ما أسميه الآن بالامبراطورية الإسلاميّة في العهد الأموي، وتأسس نشوء هذه الدولة على الخصومة الشديدة بين المنهج الأموي وتوظيف تراث الأمويين السياسي الجاهلي في الاجتماع الإسلامي، الأمر الذي مكّن من قيام دولة أمويّة، وكانت في جزء كبير منها ثمرة للصراع مع المسلمين العلويّين، أي الذين يؤمنون بولاية علي بن أبي طالب، وسمّوا بشيعة علي، وسمّي الطرف الآخر بشيعة بني أميّة، أي أنّ الخلاف كان سياسياً في جوهره ولكن السلطة الأمويّة استطاعت من خلال الدولة وإمسكاها بمقادير الدولة الإسلاميّة، أن تكرّس مفهوماً محدداً للسلطة، وأن تتوسّع بدون أي رادعٍ أو حاجز ديني كسلطة ذات نفوذ شامل وجرياً على المنهج الموضوعي في البحث، يمكننا القول أنّ السلطة الأموية استطاعت أن تستفيد بدون محاذير من تنظيم الدولة عند الفرس وعند الرومان، وأن تنشأ الدواوين ومؤسسات السلطة بصورة لا يعود فيها المقياس في الترجيح بين الشيعة والأمويّين إلى مبدأ الحق والباطل، وفرضت السلطة وجودها، وكان لهذا الواقع تأثيره في إقامة المدارس والأدبيات والعلوم الإسلاميّة، وحتى الفقه الإسلامي بجهود علماء تابعين لهذه السلطة، وكان الشيعة معارضين ضعفاء بمعيار القوة الماديّة، ولكنهم استطاعوا أن يؤلّفوا بنية عقائديّة شيعية انطلقت منها ثورات ضد السلطة الأموية كانت بأغلبها فاشلة، الأمر الذي أدى في نهاية العصر الأموي وبعد انهيار السلطة الأموية إلى وراثتها من قبل العباسيّين لا من قبل العلويّين، بالرغم من أنّ شعار النهوض العباسي قام على العصب الشيعي، إلّا أنّ الشيعة ـ كما قلت ـ لم يكونوا يملكون التجربة السلطوية التي أسسها الأمويّون، واستطاع العباسيّيون أن يرثوها بكل منجزاتها، بما فيها الدواوين والمؤسسات، ومع أنهم اضطهدوا الأمويّين إلّا أنهم كانوا عل حذر أشد من الشيعة العلويّين، بوصفهم الجهة الأحق في تولي الإمامة، لكن قوة الدولة وتطوّر الدولة العبّاسية كان كفيلاً بأن يجهض حركة استرداد السلطة للعلويّين.

اقرأ أيضاً: الإسلام وتحدياته الداخلية: ثلاثة خيارات امام ظاهرة العنف

وهذا هو العامل الذي أشرتُ إليه بالقول من هذه الزاوية، والزاوية الأخرى هي تفكك الحركات الشيعية ونشوء فِرق كثيرة وجديدة من الشيعة، غير الاثني عشريّة، التي هي صفة الشيعة في عصرنا الراهن. كان لاستبعاد العلويّين عن السلطة مضار وفوائد، قد يكون أحد فوائدها هو الجانب الفقهي والمعرفي الذي توجّهت إليه طاقة الأئمة والعلماء الشيعة، وهم في معزل عن السلطة ومقتضياتها، ولكن مضارها كانت شديدة لجهة العزلة الشيعيّة عن تجربة الحكم، بالرغم من أنّ العقيدة الشيعية ظلّت تركّز على أنّ شرعية السلطة إنما تقوم على عقيدة الإمامة، وبالتالي فإنّ نهوض بعض الحركات الشيعيّة وتأسيسها لدول جانبية أثناء الخلافة العباسيّة لم تكن ناجحة وحتى أنّها ظلت مرتبطة معنوياً برمز الخلافة العباسيّة، وظلت السلطة الإسلاميّة تتداول بعد العباسيّين بين المماليك والترك ومن ثم العثمانيّين الذين أعادوا بناء الكيان الإسلامي لفترة طويلة نسبياً تقارب الخمسمائة عام، أيضاً الشيعة كانوا في عزلة عن أيّ دور أساسي في بناء هذه السلطات، وصولاً إلى عصرنا الراهن، والذي غيّر العالم الإسلامي وفكّك الكيان السياسي للمسلمين وصولاً إلى قيام ثورة إسلاميّة شيعية في إيران.

إنّ تجربة الثورة الإسلاميّة في ايران هي تجربة شيعيّة فعلاً، ومستقلّة، ولا يوجد في مواجهتها كيان إسلامي سنّي، أمّا الشيعة في الأقطار الأخرى فإنّهم جزء من التعدّد والتنوّع الذي تشتمل عليه هذه الأوطان، ولا يوجد فرصة لإقامة نظام شيعي مرة ثانية، في أي دولة من هذه الدول، ومن هنا نشأت فكرة تبناها بعض المفكّرين الشيعة ـ ونحن منهم ـ هو حَسب الشيعة الحفاظ على عقيدتهم وعلى حريّة ممارسة شعائرهم، ولكنهم في الجانب السياسي، هم جزء من كيان الدولة التي ينتمون إليها.

اقرأ أيضاً: علاقة التصوف بنكسة العقل في الفكر الإسلامي

إنّ نجاح الثورة الإسلاميّة لا يجيز قيام طموح لدولة شيعيّة مشابهة، ثمّ إنّ الشيعة ليسوا بماهيّتهم كياناً سياسياً، إنّهم رؤية عقائديّة إسلاميّة، ويمكنهم أن يتعايشوا مع غيرهم وأن يناضلوا مع غيرهم في الدول التي يقيمون فيها من أجل قيام حكم عادل وبعيد عن الامتيازات الطائفيّة، ونحن لا نرى من المصلحة قيام ثورات شيعيّة في بلدان عربية وإسلاميّة، وإن كنا نرى أنّ طبيعة التكوين الشيعي، هي طبيعة معارضة للسلطة، ويمكنها أن تمارس هذه الطبيعة ضمن المعارضات السياسية الواسعة، والتي لا تقتصر على الشيعة في بلاد العرب والمسلمين.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 2 مايو، 2019 3:19 م

مقالات تهمك >>