علاقة التصوف بنكسة العقل في الفكر الإسلامي

نلاحظ أنّه متى ما ازداد التمسّك بالشّريعة، وبطقوسها الدينيّة فإنّ مستوى الأخلاق ينحدر كما تضعف العقيدة وكلّما تمّت المبالغة بالطقوس والمظاهر كلّما انحدرت الأخلاق والقِيَم؟

أبدأ بالمصدر الأساسي للإسلام عقيدةً وفكراً وشريعةً وعلى كل مستوى من مستويات الهداية، وبناء الشخصية الإنسانيّة، ولذلك نلاحظ أنّ القرآن الكريم هو كتاب هداية قبل كل شيء، وأنّ التشريع (أو الشريعة) هي جزء صغير، من آيات القرآن الكريم فيما بقيّة الآيات والسور كلها تتعلّق ببناء الشخصية الإنسانية كما أراد الإسلام، وخاصّة في مجال السلوك والتعامل والأخلاق.

أقول هذا وقد برز في العقود الأخيرة تجاه خاطئ ينحو ويتّجه نحو محاولة تفسير الآيات القرآنية تفسيراً ذا علاقة بالعلوم بما فيها علوم الفلك والفيزياء والكيمياء وغيرها، استناداً إلى أنّ القرآن الكريم يتضمّن كلّ شيءٍ، استناداً إلى الآيات التي تشير إلى أنّ القرآن الكريم يتضمن كل ما يحتاجه الإنسان، غير مدركين أنّ القرآن الكريم ليس كتاباً في الطب ولا في الفيزياء ولا في الكيمياء، وأنّ الإشارات العلميّة الواردة في القرآن ما هي إلا إشارات تقع في إطار الهداية أكثر مما تهدف على تقديم المادة العلميّة التي أناط الله سبحانه وتعالى أمر إنجازها ومعرفتها إلى العقل البشري، وإلى الكدح في سبيل معرفة العالم والكون، والتعرّف من خلال ذلك إلى قدرة الله وحكمته وحتميّة وجوده، فالقرآن الكريم ليس من هدفه أن ينوب عن الإنسان في إنجاز المهمة الملقاة على عاتقه في التعرف على مخلوقات الله بل إنها مهمة العقل البشري الذي كان وما يزال أهم ما وهبه الله للكائن الإنساني.

اقرأ أيضاً: الحريّة وتسيّد مفهوم «القهر والغلبة» في الاجتماع الإسلامي

أقول هذه المقدّمة لأنتهي إلى القول: بأنّ اهتمامات المسلمين لم تتجه إلى القرآن بوصفه كتاب هداية بقدر ما اتجهت إليه بوصفه كتاباً للتشريع وتبيان الحلال والحرام.
ولم يدرك العقل أنّ القرآن هو كتاب الله المسطور، وأنّ الكون هو كتاب الله المنثور، وأنّ أي قراءة لا تأخذ بهذا الاعتبار ـ أي بقراءة هذين الكتابين بصورة متلازمة ـ بحيث نقرأ كتاب الله المسطور ونقرأ معه كتاب الله المنثور، ونقيم العلاقة الجدلية بينهما بحيث يكشف لنا القرآن عن مظاهر ونظم الكون المنثور، ثم عندما نقرأ كتاب الله المنثور فإنّه يكشف لنا معاني وأبعاد هذا الكتاب المسطور، وهذا ما أسميه العلاقة الجدليّة بين الكون والقرآن والكائن الإنساني.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى أحاول أن أتأمّل من خلال ممارستي ودراستي في الحوزة العلميّة أنّ العلوم المقررة في هذه الحوزة إنما تركّز على علمَي الأصول والفقه وبعض المقدّمات المتصلة بهذين العلمين، ولكنّها لا تقدم للطالب رؤيةً علميّة وتاريخيّة لا حول القرآن الكريم، ولا حول نشأة هذه العلوم التي يدرسها الطالب وتطورها، ولذلك فإنّ علمي الأصول والفقه ـ وعلم الأصول بالذات ـ أخذ من الاهتمام درجة تتجاوز الحاجة الضرورية فتداخلت فيه علوم فلسفيّة ولغويّة، وجدل طويل حول مسائل لا تستحق هذا القدر من الزمن الذي تستغرقه.

وثمّة عامل تاريخي من وجهة نظري، عزّز الاتجاه إلى حصر علوم الإسلام لدى الشيعة بهذا الاتجاه، وهو أنّ الإنتاج العلمي الفقهي والأصولي غلب عليه المنهج الذهني العقلي لسبب انكفاء الشيعة وإبعادهم عن مجالات الحياة الأخرى، وخاصّة منها الحياة السياسية التي كان من شأنها لو أتيحت لفقهاء الشيعة فرصة خوض المجال السياسي والعلوم السياسيّة أن تتولّد لديهم أفكار وآراء ومناهج كثيرة وعديدة، وأن ينفتح المجال أكثر لدراسة القرآن الكريم واستخلاص القِيم والمفاهيم ذات التأثير في بناء المجتمع الإسلامي على المستوى الخلقي والروحي والحضاري، وبكلّ الأحوال فإنّ الاتجاه إلى تجديد قراءة النص الديني القرآني ما زال اتجاهاً ضعيفاً، وظلّ الاتجاه نحو اعتبار القرآن والسنّة النبويّة أيضاً مصدراً لاستبناط الأحكام الشرعية، أكثر مما هي مصدر لإنتاج بنيّة أخلاقية ومسلكية.

كان ينبغي أن يكون الاهتمام فيها ليس أقل من الاهتمام بالشأن الفقهي وخاصّة المطوّلات الفقهية والأصولية التي تبدو ليست على علاقة ماسّة بمقاصد بناء الشخصية الإنسانية، وفق الغايات والمقاصد التي نزل الإسلام لتعزيزها ولخلق الإنسان الجديد في هذا العالم.

وهذا في نظرنا ما قلّل من قدرة المسلمين عل تقديم أطروحة حضارية شاملة توازي بل تتجاوز الحضارة التي صنعها الغرب، والاتجاه المادي للعقل الغربي.

اقرأ أيضاً: الإسلام وتحدياته الداخلية: ثلاثة خيارات امام ظاهرة العنف

النّزعة العقليّة في الفكر الإسلامي واجهت نكسة خطيرة لصالح النزعة الصوفيّة، ولديّ في هذا المجال مثال الغزالي الذي اعتبر الفلسفة (أي: العقل) باطلة في سبيل اكتشاف الحقيقة، وآمن بالتجربة الصوفية التي تعتمد على الإلهام والحدس ومجاهدة النفس، فيما جاء بعده الفيلسوف والفقيه المعروف ابن رشد الذي حاول أن يستعيد للعقل مكانته، وكان الغزالي قد كتـب كتـابه الشـهير تهافت الفلاسفة الذي ردّ عليه ابن رشد بكتاب تهافت التّهافت دفاعاً عن دور العقل وعدم تناقضه مع أحكام الشريعة، ولكن الاتجاه الذي ساد ـ ولأسباب أكثرها سياسية ـ بعد ابن رشد هو الاتجاه الصوفي، والذي يستبعد دور العقل ويرى أنّ هناك تناقضاً فيما بين الشريعة والحكمة الفلسفة، ونزع إلى استبعاد العقل، وهذا يفسّر إلى حدّ كبير أسباب نشوء عصر الانحطاط الإسلامي بعد فترة الازدهار التي شهدها في أوائل العصر العباسي من خلال الثورة الفكريّة والعلميّة وحركة الترجمة للعلوم والفلسفات اليونانية وغيرها، وعندما انهارت هذه الحركة بانهيار اعتماد العلوم العقليّة، بدأ عصر الانحطاط والتقليد وتكريس المذاهب والمناهج السابقة دون محاولة الإبداع لإبداع مناهج وعلوم جديدة.

وبكلّ أسف فإنّ عصر الانحطاط هذا كان طويلاً، خاصّة وأنه ترافق مع انهيار سياسي للكيان الإسلامي بعد كارثة هجمة التتار والمغول، على العالم الإسلامي.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 22 أبريل، 2019 5:56 م

مقالات تهمك >>