أميركا تشدد الحصار على حزب الله وتطوّق لبنان

يدرك الوزير الأميركي أن لبنان الخاضع لنفوذ إيران من خلال ذراعها حزب الله، يقع تحت ضغط أزمة اقتصادية ومالية خانقة، بل إنه في "مرحلة الانهيار".

زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو إلى لبنان لا يزال يتردد صداها في أروقة الساسة اللبنانيين، فالوزير الأميركي الذي قدم إلى بيروت قبل أكثر من أسبوعين، وجّه رسائل واضحة تتصل بحزب الله الذي سيطر إلى حدّ كبير على القرار في الدولة اللبنانية، وهي رسالة حملت تحذيرا من أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتهاون بشأن استصدار قرارات عقابية ستطال جهات لبنانية تنسق مع الحزب، فيما ستواصل واشنطن استصدار قرارات تتصل بما تعتبره تنفيذاً لقانون وضع حزب الله على لائحة “المنظمات الإجرامية”.

يدرك الوزير الأميركي أن لبنان الخاضع لنفوذ إيران من خلال ذراعها حزب الله، يقع تحت ضغط أزمة اقتصادية ومالية خانقة، بل إنه في “مرحلة الانهيار” كما نقل زوار رئيس الحكومة سعد الحريري عنه هذا التوصيف، إضافة إلى أن قرارات “مؤتمر سيدر” الذي عقد في فرنسا قبل أكثر من عام، هي مشروطة بسلسلة إجراءات على الحكومة اللبنانية تنفيذها للحدّ من العجز في الموازنة العامة، وإغلاق مزاريب الهدر والفساد، وهو ما يجعل الحكومة اللبنانية أمام تحديات تتصل بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ولاسيما القضاء الذي يعوّل عليه لجهة وقف الفساد أو مكافحته، من خلال القيام بدوره كاملا.

اقرأ أيضاً: العراق وشروط الحياد الصعب

وعلى إثر مغادرة بومبيو لبنان، توجّه وفد نيابي إلى واشنطن، للقاء دوائر الكونغرس المعنية ومسؤولين في الخزانة الأميركية، من أجل توضيح الموقف اللبناني، وإجراء مباحثات غايتها التخفيف من الإجراءات الأميركية، في موازاة تعهد لبنان الالتزام بالقوانين التي يتطلبها التعامل مع المؤسسات الأميركية، ولاسيما في شأن الأموال وانتقالها ضمن الآليات البنكية، وما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق أيضا أن الوفد اللبناني سمع من مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، كلاما واضحا، حيال إنهاء مشكلة الحدود مع إسرائيل، خاصة وأن قضية الحدود ترتبط أيضا بملف آبار النفط والغاز المختلف على حدودها في البحر.

وفي سياق العقوبات الأميركية، أقدمت وزارة الخزانة الأميركية على إدراج شركة شمس للصيرفة وصاحبها فؤاد شمس، متهمة إياه بالقيام بعمليات تبييض أموال ونقل أموال مخدرات إلى حزب الله، وهو ما نفاه شمس. لكن صدور هذا القرار يعكس استمرار وتيرة العقوبات وتشديدها، فيما يجري التداول في بيروت عن قرارات تطال مسؤولين قريبين من بعض القيادات السياسية في حزب الله، إضافة إلى ما يتم إدراجه من شركات وشخصيات على لوائح العقوبات، بسبب ما تعتقده واشنطن أنه تورط من هؤلاء في عمليات مالية استفاد منها حزب الله.

وفي المعلومات المتداولة أنه سيتم تنفيذ عقوبات على بعض من يعتقد أنهم تورطوا في سحب أموال عراقية كانت أُودعت في زمن النظام السابق أي قبل العام 2003 في بنوك لبنانية معروفة ضمن صفقة شارك فيها أكثر من طرف، ويُعتقد أن المبلغ الذي جرى سحبه من ثلاثة بنوك وبتغطية شبه رسمية بلغ نحو ثلاثة مليارات دولار أميركي، جرى تقاسمها بين أربع جهات بما فيها بعض الأسماء التي كانت أودعت هذا المبلغ بحسابات رقمية وغير اسمية. وبالتأكيد فإن الجهات العراقية الرسمية ليس لديها علم بهذه الصفقة.

الملفات التي يجري إعدادها من أجل استصدار عقوبات أميركية، ترافقت مع تطمينات أميركية نقلها سفير لبنان في واشنطن، أن لا عقوبات أميركية على الرئيس نبيه بري، بعد أن تداولت وسائل إعلام عربية ولبنانية معلومات عن عقوبات مرتقبة على رئيس مجلس النواب الذي هو رئيس حركة أمل أيضا، وهذا ما نقله أعضاء الوفد اللبناني الذي عاد من واشنطن، من أنه لم يسمع أي إشارة أميركية على هذا الصعيد. على أن ذلك لا يعني عدم صدور قرارات تستهدف بعض الأفراد والمؤسسات التي تعتقد واشنطن أنها متورطة في دعم حزب الله من خلال عمليات تصفها بغير القانونية، وما ينقله أحد أعضاء الوفد اللبناني الذي زار واشنطن أن المسؤولين الأميركيين الذين التقوهم سواء في الكونغرس أو في وزارة الخارجية وفي وزارة الخزانة، يريدون من لبنان أن ينتقل من وضعية الساحة المفتوحة والمشرعة، إلى دولة مؤسسات تُحكم من خلالها الدولة السيطرة بالقانون على كل ما يجري ضمن أراضيها، وقد وجّه المسؤولون في وزارة الخارجية تنبيها لجهة انفلات الحدود مع سوريا، والتي تحوّلت إلى مناطق يجري عبرها تنفيذ عمليات تهريب تطال كلّ ما هو ممنوع بين لبنان وسوريا.

القرارات الأميركية تلقي بثقلها على السلطة السياسية، وسيف العقوبات الذي تلوح به واشنطن بات يشكل مصدر قلق للعديد من الجهات الرسمية، فسياسة تشديد القبضة الأميركية على لبنان والتي تبدو واشنطن مستمرة باعتمادها، باتت تلقي بثقلها على حزب الله، الذي أصبح بدوره يتلمّس آثار هذه السياسة في تراجع قدراته المالية، سواء بسبب هذه القبضة أو نتيجة العقوبات الأميركية على إيران، فضلا عن الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان اقتصاديا وماليا والتي زاد من انكشافها سطوة إيران عليه، وما يمكن أن نسميه انكفاء الدول العربية ولاسيما الخليجية من لبنان إلى حدّ كبير إذا ما قيس الحضور العربي بما كان عليه قبل عقد من الزمن.

لبنان الذي يعاني من الانهيار المالي والاقتصادي هو أمام سلسلة تحديات وجودية على هذا الصعيد، والأرجح أن الحكومة التي تستسهلّ الحدّ من العجز عبر فرض الضرائب غير المباشرة، وتتفادى إجراء إصلاحات جدية ستطال بالضرورة قضية السيادة، هي أمام خطر انفجار اجتماعي بعدما “بشّر” وزير الخارجية جبران باسيل موظفي الدولة بعملية خفض الرواتب في سياق مواجهة الانهيار.

في موازاة ذلك فإن احتمال حصول حرب بين حزب الله وإسرائيل سيبقى واردا، ويمكن أن يتحوّل إلى قرار، خاصة إذا ما حاولت واشنطن نزع ورقة الحدود اللبنانية مع إسرائيل من يد طهران، وإذا ما كانت الأخيرة تجد في ذلك خطرا وجوديا على نفوذها في لبنان، سواء باسم الأمم المتحدة أو من خلال الدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل وقبرص باسم ترسيم الحدود المائية.

آخر تحديث: 18 أبريل، 2019 2:10 م

مقالات تهمك >>