الإسلام وتحدياته الداخلية: ثلاثة خيارات امام ظاهرة العنف

لا شكّ بأنّ لأداء الحركات الإسلاميّة بعض الآثار السلبيّة على بنية المجتمع الإسلامي، كيف ترون واقعنا الإسلامي مستقبَلاً انطلاقاً من إرهاب بعض المسلمين؟

يجيب سماحة العلاّمة المفكّر السيد محمد حسن الامين: من الملاحظ أنّ الكثيرين من الكتّاب والصحافيّين والنخب الاجتماعيّة يتذمّرون بصورة واضحة ومؤلمة وهم يشاهدون ويستعرضون ظاهرة التطرف والعنف المنتشرة في كثير من أصقاع المجتمع، والمجتمع الإسلامي بصورة خاصّة، وبالطبع فإنهم يدينون إدانة شديدة هذه الظاهرة، وإن كان بعضهم يذهب إلى أنّ هذه الظاهرة المتطرفة لا تمثل الإسلام عقيدة وشريعةً، بل تمثل مظهراً من مظاهر الانحراف عن حقيقة الدين الإسلامي، إلّا أنّ البعض الآخر ـ وربما كانوا هم الأكثريّة ـ يذهبون إلى اعتبار الدين بصورة عامّة والإسلام بصورة خاصّة هو مصدر هذه الحركات والاتجاهات المتطرفة الدموية والتكفيرية، وبالتالي فإنّنا نشهد نزعة نحو الدعوة إلى الابتعاد عن الدين عموماً واعتبار الدين عائقاً أو سداً منيعاً أمام حركة النهضة والتجدد والإصلاح في عالم الإسلام عامّة، وفي المنطقة العربية بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: الحريّة وتسيّد مفهوم «القهر والغلبة» في الاجتماع الإسلامي

في هذه المداخلة أريد أن ألفِتَ النظر إلى جانب من جوانب خطورة هذه الظاهرة المتطرفة قد يكون الإسلاميّون المعتدلون وغيرهم ممن لا يزالون يؤمنون بضرورة احترام الدين وتعزيزه في الاجتماع البشري على أنّ الخطر الأكبر في نظري لا يكمن في المآسي الناتجة عن هذا التطرف في الظرف الزمني الحالي بقدر ما تتجلّى هذه الخطورة في الإرهاصات التي تجيشُ في النفس تجاه مستقبل الدين والإسلام خاصّة في اجتماعنا الإسلامي والعربي، وهي أن تكون هذه الظاهرة مقدّمة أو مفصلاً حاداً يؤدي إلى مرحلة جديدة يتمّ فيها انتصار الدعوة للانفصال عن الدين بصورة كلية، وبدقّة أشد وأخطر هي إمكانية أن تشمل هذه الردة عن الدين حتى المتديّنين الحقيقيّين الذين لا يملكون مناعةً استثنائية في مواجهة الانقلابات الحادة التي يمكن أن تحدثها ظاهرة الدعوة للتخلي عن الدين نفسه، وهذه كما نلاحظ خطوة تاريخية ومستقبليّة، وهي بالتأكيد ستقع إذا لم تتمكن النخب الدينيّة المتنوّرة أن تواجه هذه النزعة المتطرفة المتمثّلة بما يسمى اليوم بالحركات الدينيّة التكفيرية، وما تقوم به من أعمال ذات طبيعة إجرامية تكفيرية معادية ليست لقيم الإسلام فحسب، وإنما للقيم الإنسانيّة كلّها التي يتفق على تقديسها واحترامها جميع البشر.
أبني هذه الرؤية ليس على رؤيتنا للمعطيات الراهنة فقط، وإنما أيضاً على الجذور التاريخيّة التي شهد فيها المسلمون وفي مرحلة ليست بعيدة زمنياً، شهد فيها ا لمسلمون فورةً من الانصراف عن الدين والدعوة إلى التغرب الكامل، أي إلى الانتقال الحاد من المنظومة الإسلاميّة والتراث الإسلامي والالتحاق ليس لمناهج الغرب العلميّة فحسب، ولكن حتى لمنظومة الغرب الفكريّة والأخلاقيّة والفلسفية والثقافيّة، وهذا ما حدث إبان الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين.
ولكنّه لم يكن كافياً لاقتلاع جذور الإسلام بصورة كاملة، لذلك من حقّنا أن نتخوّف وأن نكون في غاية الحذر تجاه ما ستعقبه هذه المرحلة الراهنة من آثار أكثر حِدّة تجاه الدين، والإسلام بصورة خاصّة، ففي مرحلة الاستعمار الغربي كان ثمّة حافز يحرّك المسلمين للتشبّث بهويّتهم الدينيّة، وهذا الحافز ناشئ عن مشاعر التحدي للاستعمار ومواجهته.
أمّا اليوم فإنّ الهجمة على الإسلام ليست آتية من خارجه ـ أي من الاستعمار ـ وإنّما هي بكل أسف قادمة من داخل الاجتماع الإسلامي نفسه، الذي ولدت فيه هذه الحركات الشاذة واستطاعت أن تمدّ نفوذها وسيطرتها بصورة مخيفة على الأرض والشعوب الإسلاميّة.

اقرأ أيضاً: جوهر الأديان ومصدر الانحراف: التوحيد ونكسة الاجتماع الإسلامي

فلا يبقى أمام المسلمين تجاه هذه الظاهرة سوى ثلاثة احتمالات هي:
1ـ إمّا تصفية هذه الظاهرات والانتصار عليها.
2 ـ وإلاّ الاستسلام لهذه الظاهرات والإقرار بها، وانتظار ما ستنتهي إليه.
3ـ والاحتمال الثالث، وهو الذي أردنا أن نلفت النظر إليه ـ كما قدّمنا ـ فهو احتمال ما أسميه الهروب من الدين نفسه وبالطبع من الإسلام بوصفه دين الأمّة، والتوجّه إلى تبنّي نظريات الإلحاد والابتعاد عن الدين، وهذا أمر إذا حدث سيكون أخطر النتائج المحتملة لمسيرة التطرف والإيغال في العنف باسم الإسلام التي نعيشها اليوم.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 16 أبريل، 2019 12:11 م

مقالات تهمك >>