44 عاماً… «بوسطة عين الرمّانة» في مكانها

أربعة وأربعون عاماً مضى على الحرب الأهلية اللبنانية، وهي التي أُطلقت على أحد أيامها المروِّعة، تسمية "السبت الأسود".

أربعة وأربعون عاماً مضى، على لعنة هذه الحرب، تلك اللعنة التي، لا نزال نغرق في لجج تداعياتها، لا يزال شبحها الغرائزيّ يراود مخيّلات اللبنانيين، بجثومه، وبكل ثقله، على صدر واقعهم المعنوي، كرمالٍ متحركة، لا يمكن التخلص من جاذبية ابتلاعيّتها إلا بمعجزة، لأن طموح تجاوز طائفية النظام السياسي، حلم قد أضحى في حكم المستحيل، قطعاً على ما يبدو.
أربعة وأربعون عاماً مضى على الحرب التي فتحت – وربما إلى الأبد كما تُثبت كل شواهدنا التجريبيّة – أبواب الجحيم الأهلي على مصاريعها.
ذلك لأن أبواب سِلْمهم الأهلي، والتي تخلّعت في 13 نيسان 1975، قد جرى الإمعان في زيادة تخلُّعها إلى حدّ جعلها غير صالحة على الإطلاق، وصولاً إلى إلغائها، بل محوها التامّ. فأربعة وأربعون عاماً مضى على الحرب الأهلية وما زالت تترصّد اللبنانيين أشباح سوداوية متمثلة بأشباح: “القتل على الهويّة”، و”التدمير”، و”الاقتلاع المناطقي”، و”التهجير الجماعي”، وما إلى ذلك.

اقرأ أيضاً: هكذا نجونا في الحرب من كمين طائفي: كلنا أمة محمد!

أربعة وأربعون عاماً مضى على تلك الحرب المشؤومة، واللبنانيون لا يزالون منفيّين، عن مواطنيّتهم، عن انتمائهم المجرد من الطائفية والمذهبية.
أربعة وأربعون عاماً، والجحيم اللبناني، الذي أصبح جحيماً بارداً منذ ما توقّفت تلك الحرب في العام 1991، ما زال يُراكم جبال جليده المعنوي، ما بين الطوائف والمذاهب اللبنانية، لحظة بلحظة، حتى أفقد اللبنانيين دفء إرادة المواطنة الحقّة.
أربعة وأربعون عاماً، وما زال جمر الفتنة يلوح تحت رماد سِلْمٍ وطنيّ، لا لون له ولا طعم ولا رائحة، لأنه قطعاً، هو ليس إسماً على مسمى، ذلك لأنه سِلْمٌ موهوم، فهو لا يني يذكّر بشهدائها ومعوَّقيّها وأيتامها وأراملها ومفقوديها ومقابرها الجماعيّة… فاللبنانيون يحنّون – رغماً عنهم – وليس بإرادتهم، إلى سِلْمٍ أهلي خالٍ من: الفساد، ومن الكيد السياسي، ومن المحاصصة الطائفية، ومن التمترس وراء المذهب والطائفة، على حساب المواطنة المجرَّدة من المذهبية والطائفية، ذلك لأن كل ذلك، كانت له تداعياته التي استطاعت أن تُبقي في مخيّلة اللبنانيين، أن “بوسطة عين الرمانة”، التي أطلقت شرارة تلك الحرب الأهلية، لا تزال متوقّفة في مكانها، تُرسل شرارات وقودها، لامعة بارقة، وكل فريق سياسي لبناني، ومن لفّ لفَّهُ، يستلهم منها، ما يريد استلهامه هو بالذات، وهذا ما أبقى الانقسام العامودي الحاد بين اللبنانيين، قائماً أبداً، وإلا ما هو سبب جميع هذه المصائب التي تنوء بها حياة اللبنانيين، فردية كانت أو جماعية، والتي تفوق الوصف حقّاً لأنها عصيّةٌ على الاحتمال حتى أصبح حالنا، نحن اللبنانيين كشعبٍ مغلوبٍ على أمره كحال تلك الأعرابيّة، التي أُعطيت أن تُطلق آهاتان، عصمتاها حقاً من الجنون المحتّم، وذلك بسبب من طغيان إجراميّة واقعها المعيش الذي كان قد بلغ حدّاً لا يُطاقُ:

لها آهةٌ عند العشِيِّ وآهةٌ
سُحَيْراً ولولا الآهتانِ لَجُنَّتِ.

آخر تحديث: 16 أبريل، 2019 2:19 م

مقالات تهمك >>