الشيخ بارودي يطلق خطاب المصالحة وإدارة شؤون السنة والحريري يلاقيه بالوحدة والعيش المشترك

قدّم فيها الشيخ بارودي رؤية متكاملة وازنت بين الحرص والنصح ، وبين الدعم والعمل لإنقاذ الوطن ، وبين تعزيز المرجعيتين السياسية والدينية وبين التكامل مع الناس وتوظيف طاقاتهم في معركة الإصلاح ومحاربة الفساد.

إستمع الرئيس الحريري إلى مطالعة متكاملة حول الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي ، تضمنـّت رؤية واعية ومتوازنة للمخارج المتاحة في ظل الأزمة الراهنة.
كانت خطبة الجمعة مفصلية في تحديد موقف الرأي العام الإسلامي في مدينة طرابلس وطبيعة المزاج السائد لدى شرائح كبرى بما هو أبعد من التعامل مع إستحقاق الإنتخابات النيابية الفرعية التي تجري يوم غد الأحد ، والذي لم يتطرّق له الشيخ بارودي مباشرة في الخطبة.

كاشف شيخ قراء طرابلس الجميع ، وعلى رأسهم الرئيس سعد الحريري من مسجد السلام ، برمزيته الراسخة ، بأن الناس تتألم من واقع الحال وبأن طرابلس مقهورة بسبب حرمانها ، ولكنه قدّم رؤية بناءة ناصحة وجريئة ، فإختار موضوعاً جامعاً يخصّ الراعي والرعية والمجتمع والوطن ، ويخص الإصلاح ومحاربة الفساد ، على قاعدة أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وهو العصمة من الفتن والسلّم في إرتقاء الصلاح والإصلاح ، وعنوانه “ذو القرنين وسياسته في الحكم”.
وذو القرنين هو الملك الذي ذكره القرآن الكريم في سورة الكهف ، وقد ملك الأرض مشرقاً ومغرباً ، ومكّن الله له في الأرض وفتح له القلوب ويسّر له الأسباب أن يستثمر في ذلك ، فيمكن الله له تمكيناً ليس بعده تمكين.
وتوقف بارودي عند التكامل الذي أورده القرآن الكريم بين الحاكم وشعبه وكيف يستثمر الحاكم في طاقات هذا الشعب من مواهب وطاقات وقدرات بالشكل الصحيح ، تتبع ما آتاك الله من أسباب القوة أسباباً تبتدعها وتستثمرها يوسع الله لك كل شيء. (إنا مكنـّا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبعَ سبباً) ، مورداً تفاصيل ما جاء في قصة ذي القرنين وما يذكره عن محاسبة الظالمين ومكافأة الصالحين.
من هنا يبدأ البناء في الإصلاح الداخلي . وجد القوم لا يدرون ما يفعلون وهو يملك القوة والسلطان والعدل والحكم والمقدرات ، وعند الناس توجهات مختلفة ، فمنهم من آمن وعمل صالحاً ومنهم من ظلم وسعى في الأرض فساداً .
فكانت المعادلة الإحسان مع الصالحين والرقابة والحساب والعقاب وكفّ اليد على الظالمين

• الإيمان المقترن بالعمل للصالح العام

وأكد ضرورة إقتران الإيمان بالعمل الصالح للمجتمع وأن الحاكم الناجح هو الذي يقيم هذه المعادلة: فيكفّ يد الفاسد ويقرّب المؤمنين والصالحين وعند ذلك تنهض الدولة.
ويمضي الشيخ يارودي في تبيان المقاربة الإصلاحية:
فقد طلب الناس من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين منبع الفساد سداً لئلاّ يلج الفساد إلى مجتمعهم فيفسدها . فقال لا أريد مالكم ولكن أريد قوّتكم ومهاراتكم ، أريد أن أستخرج منكم ما تنسونه ولا تستعملونه من طاقاتكم وقدراتكم
الحاكم الناجح هو الذي يتقن إستخراج القدرات من الناس كما فعل ذو القرنين ، فصار أكثر قوة بالناس ، وهم الأقوياء الذين يحتاجون إلى من يوقظ قدراتهم الكامنة.

• البناء وإستثمار الثروات

وأوضح الشيخ بارودي أن الحاكم الناجح ينجح في إدارة وإستثمار المقدرات . فذو القرنين علّم الناس كيف تصنع الحديد الموجود المهمل لأنهم لا يعلمون سُبُل إستعماله في الصناعة والدفاع عن أنفسهم . عندهم ثروات لا يتقنون إستعمالها وهو أعانهم وأعمر بلادهم وعلّمهم الصناعات الثقيلة

• مواجهة الفساد والتطرف

قال الشيخ بارودي: نحن في مجتمعاتٍ يهدّد الفسادُ كينونتها
والفساد نوعان:
ــ خارجي مرتبطٌ بأجندتٍ إقليمية ، ومرتبط بإفساد وصل إلى الكويت والبحرين واليمن والعراق وسوريا ، وعلى حكام البلد أن يقيموا السدّ لئلاّ يلج هذا الفسادُ إلى بلادنا.
ــ وفساد آخر قد يرتدي عباءة دينية ويتكلّم بألفاظ شرعية ولكنه يسيء إلى الإسلام بتطرفه وإرهابه وسوء فهمه فيفسد المجتمع الداخلي ويعرّضه لولوج هؤلاء المفسدين من الخارج.

• التماسك الداخلي ورئة العيش المشترك

أوضح الشيخ بارودي أن على الحاكم أن يسعى دائماً ، وهذا ظنـّنا بالشيخ سعد ، لإقامة السدود في وجه الفساد حتى لا يلج إلينا ، لأن التسوية التي أجراها طعمُها مـُرّ ، ولكن الذي وراءها أدهى وأمـَرّ لأننا نرى أين أصبح أهل العراق وأهل سوريا وأهل اليمن ، فعندما يُربط النزاع ويُلتفتُ إلى الإصلاحِ الداخليّ وإلى قاعدة “أعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما” وإلى إحتضان الصالحين العاملين ، فلن يستطيع الفسادُ مهما قويت جيوشُه ومهما كثرت صواريخه أن يلج إلى لبنان ولا أن ينزع رابطة العيش المشترك التي نعيشها ، والتي أعطى المسلمون من خلالها أروع الصور في التعايش ، لأن هذا الرابط القائم بين المسلمين والمسيحيين في لبنان هو الرئة الحقيقية التي من خلالها نتنفسّ الحرية والأمان والرغد ، فمن يريد ان يخرِمها يعرّض البلد كلّه للإنهيار.

• تعزيز المرجعية والدولة

أكّد الشيخ بارودي أنه ينبغي أن نعزّز ثقتنا بالمرجعية السياسية والدينية لأننا إن لم نكن معاً فسنخسر جميعاً ، ومهما كانت الدولة ضعيفة ، إن كانت قائمة خير بكثير من دويلاتٍ متناحرة ومتصارعة فيها ميليشيات وأسلحة وصواريخ . هذه الدولة الضعيفة القائمة يمكن أن تستمر وتبقى وتقوى بدعمنا وثقتنا بمرجعيتنا الدينية والسياسية ، وهنئياً لنا في طرابلس عندما يلتئم الشمل وتاتئم الجراح ، وننطلق معاً لبناء الدولة الحقيقية التي تعرف روح المؤاخاة والمساواة وتعرف للناس قدرهم وللإنسانية حقها.

• خطاب مباشر
توجّه الشيخ بارودي للرئيس الحريري مباشرة بالقول:
“سر على بركة الله
وقلت كما سمعنا أنك لم تأتِ إلى طرابلس كرئيس للحكومة ونحن لا نعرفك إلا بدولة الرئيس سعد ، فسِر على بركة الله و”ارمِ سعداً” ولا تلتفت للوراء وأنت تعلم كم في قلوب أهل الشمال لك من مكانة عظيمة في قلوبهم كما كانت المكانة الغالية لأبيك رحمه الله.
ونحن بفضل الله عز وجل ، ولولا دعم هذا الرجل المبارك ، ما كان لهذا المسجد أن يعود كما كان . فدعمه كان مميزاً منذ أن حصل التفجير ونحن نعلم أن ملف تفجير المسجدين يحمله على عاتقه كما المحكمة الدولية لمواجهة من نالوا من كبار أهل الساسة في لبنان
فيا شيخ سعد ، أتكلّم بإسم كل من لا يستطيع أن يصل إليك أو أن يسمعك صوته ، نحن نثق بقدراتك وطموحاتك ومشروعك ونحن معك لأننا نعلم أنك تريد رفعة هذه الطائفة في لبنان والمحافظة على السلم الأهلي في البلد وإعطاء كل ذي حقٍ حقه ، فعند حصول هذا ينتفي الصراع والخلاف..

نعلم أن مطالبكم كثيرة وآلامكم عميقة وطموحاتكم كبيرة ولكن خذوا أموركم بالتدرّج ، ونحن نعلم أنه بجمع البيت السني بقيادة الشيخ سعد سنصل إلى برّ الأمان.
ونحن كمسلمين وكملتزمين ، نشدّ على يد الشيخ سعد في تفعيل ملف العفو العام ونتمنى أن يصبح أبناؤنا وإخواننا كلهم في بيوتهم قبل عيد الفطر السعيد.

• خلاصة الموقف

جمع الشيخ بارودي في خطابه بين المبدأ والتطبيق في القيام بواجب النصيحة القائمة على أساس المودة وليس التشاحن مع المسؤول في موقعه.
ــ إتسم الخطاب بالصراحة وخلا من المجاملات الكاذبة التي عادة ما يغرق فيها الخطباء أمام القيادات السياسية ، وثمة فارقٌ بين إبداء المحبة وبين التزلف والإنخراط في نوبات التبجيل والمبالغة على المنابر بشكلٍ مكشوف.

ــ كان الخطاب دينياً غنياً بالمقاربات البناءة ، سياسياً وإجتماعياً ، وخاصة لجهة تعزيز المرجعية وواجب الحاكم في تفجير طاقات الشعب وتطويره وإعمار الوطن.
ــ حملت مطالعة الشيخ بارودي مقاربة متكاملة عن ضرورة مكافحة الفساد وتقريب الصالحين ، والتمسك بالعيش المشترك الإسلامي المسيحي ، وخاصة وصف المسيحيين بالرئة التي نتنفس منها الحرية ، ولا تكتمل الصورة إلا برفض التطرف والتعاون لمواجهة أشكاله المختلفة.
ــ تعرّض الشيخ بارودي لحملة مشبوهة بعد خطبة الجمعة ، من مجموعات أغضبها إتزانه وإعتداله والتقييم الإيجابي الذي لاقته الخطبة في الأوساط السياسية والشعبية على حدٍ سواء ، وإعتبر مقربون من الرئيس الحريري أنها خطبة صادقة وتزخر بالأخلاق الإسلامية الرفيعة وبالنصيحة البناءة.
يمكن القول: إن الرئيس الحريري إستمع في الخطبة إلى كلام رجل مسؤول يحمل سماحة وجرأة العلماء ، وحكمة ونضج العقلاء ، ورجل الدولة الملتزم بالسلم والإنتماء الوطني الجامع.
هكذا عبـّر الشيخ بلال بارودي عن رؤية أبناء طرابلس للرئيس سعد الحريري وهي مقاربةٌ أجرت الكثيرين من حيرتهم التي تحاصرهم ، تحت وطأة الواقع المتردي والقلق على المستقبل.

آخر تحديث: 13 أبريل، 2019 7:54 م

مقالات تهمك >>