قراءة في دفتر السفر

بايعته عشرة بواحد.
مئة، ألفاً، فباع.
عاطيته نهراً من دمه بصاع من الحبر فأمضى.
بادلته رغيفاً بحقل حنطة.
فما استمهل ولا استقال.
صارفته ذهباً بفضة، بحصى، بتراب.
فما استشعر غبناً ولا غشاً.
سبقته مرة، لأختبر قدرته على العدْو.
فما هالني منه إلا أنه قعد ينتظرني حتى أعود، وأعدَّ لي ماءً بارداً لعطشي.
كاثرته بعُصبتي، فأخلى لي الرحم والعرق، واستعمر قلوب الأهل.
تبارينا كلاماً، وعندما علا صوتي على صوته، لاذ بصمته فلذت معه بصمته، تعلّمت، اهتديت إلى لغتي، عرفت.. عرفت من أين يؤتى القلب؟

اقرأ أيضاً: في الوحدة الطهارة والسلامة

في طفولته وشبابي، خبّأ صورتي بين أشيائه الصغيرة.
وفي كهولتي وشبابه.
عندما بلغ ريعان شبابه.
عندما انعقد سلاف التين الناضج دماً شهياً وعذباً.
لم تعد دفاتري ولا حيطاني ولا أضلعي تليق بصورته.
وعندما أمعنت النظر في عينيه على حائط المسجد، استشعر في عينيّ عتاباً وشوقاً..
ترجّل من صورته.
ومازحني قائلاً:
متى تصعد إلى صورتك؟
متى تأخذ مكانك في الملصق؟
قلت له الصيف ضيعتِ اللبن.

********

استوهبته عباءته، فأبى.
فقلت : ألْحَنُ في القول، لعلي أفوز بالعباءة.
فقلت له : إنها جميلة ونظيفة ومغرية.. دعها لي.
أحفظها من الغبار والأرضة، وخذ عباءتي، فاليهود خبثاء وعيونهم فارغة وضيّقة.. فأبى..
وظلّ يتمخطر بها أمام أعين المحتلّين وعملائهم، مرة يلف بها يتيماً يعابثه.
ومرة يلتحفها وينام على حصير المسجد العتيق بعد ظهر نهار رمضاني.
ومرة يفرشها ويصلي، ويدعو الأصحاب إلى الصلاة اليها، فتنعقد الجماعة، ويبقى مكان لأطفال المبرّة، والضيوف من الشرقية ومعركة والحلوسية، ولجنة الاعتصام.
حتى عيل صبر المحتلّين.
فأطلقوا عليها رصاصات حارقة متفجرة، في ليل شباطي، ليلة جمعة، بعد دعاء كُميل، من وراء جدار وفرّوا.. هربوا.. أحدثوا في العباءة ثقوباً تعدّتها إلى خاصرته، حزم أمره وأمرنا وسافر.
سافر، وكتب إلى الشباب يقول :
الأشغال هنا ميسّرة، والتجارة رابحة، والأخلاق عالية، والحب كثير، والكفيل موجود وأمين.
على أن لا تستعجلوا.
ومن كان له شغل في المزرعة.
فليبقً حتى أوانه.
من وثِقَ بماء لم يظمأ.
لا تقطفوا الثمرة لغير وقت إيناعها..
وأخذ الشباب يسافرون زرافات ووحداناً.
سافروا في الحجارة وعلى متن الحجارة.
هتفوا للقسّام وراغب حرب.
ومال الماضي على الحاضر كما يميل الزنبق على النرجس.
فاح الدم عطراً نفاذاً..
وبزغ المستقبل كما تبزغ الكمأة في الأرض الصعبة..
إبان مواسم الرعد.
سافر.. ترك لنا العباءة، يطلع من أكمامها الورد، ويعبر ثقوبها الضوء.
وعندما أمكنتني الفرصة منها في غيابه، ارتديتها فألفيتها واسعة، تتسع لقرية بكاملها، لأمة بكاملها، لقارة بكاملها، لتاريخ بكامله، ولكنها لا تتسع لمراوغ أو مغرور أو منافق، أو جبان أو آكل سُحت، أو نهّاز فرص.
لا تتسع لجائر.
لا تتسع لحاكم.
في العام الأول.
كان يزورني لماماَ.
في الحلم تارة وفي اليقظة طوراً.
أغلق كتابي ودفتري لأقرأه وأكتب.
أبذل له الوسادة، الأهداب،
يعافها ويفترش الأرض وقلبي.
تقفز الأرض تستريح في حضنه.
أرى تواصلاً واتصالاً غريباً بينها وبين القلب.
تأخذ الأرض شكل القلب.
ويأخذ القلب شكل الأرض.
يدوزن سيجارته الأخيرة.
يفضل ورق الشام.
يضع كيس التبغ البلدي في جيب قميصه الأبيض.
ينفض التراب عن قدميه العاريتين،
ينهض بدون كلام، بدون كلام، ويمضي، ماضياً مضيئاً يمضي.
استمهله للغداء، للحب، لقبلة..
لضحكة طويلة.
يضحك ضحكة قصيرة وعريضة ويمضي ويتركني في شوقي وفي غضبي.

******

في عامه الثاني صارت زياراته تطول وتتكرر.
وعلى طول مُكثه صرت أتأمله وأتملاه أكثر.
كأن له باطناً في باطن في باطن.
ولفرط وضوحه تخاله غامضاً وسريّاً.
أخبركم والعهدة عليّ :
رأيت في عينيه فرحاً سماوياً..
تنبت على حواشيه أشجار الدفلى والغورْدل.
ذهبت في عينيه بعيداً، لامست شغاف القلب، وكدت أغفو لفرط الدفء.
قال : الفجر قريب فاصبر.
ومن يطل السهر حتى مشارف الفجر أنّى له أن ينام إن كان تقياً.
وإلا فاتته الصلاة. وأحبط تعبه ودمه وصبره ودعاؤه.
ومن لا يريد أن يصافح الفجر فلينم.
يفاجئه الفجر.
قل للصحب أن ينتبهوا.
يساورني خوف على الأرض والشجر.
قل لهم إن الفطر والمرض والنبات الطفيلي أشد رغبة بالأرض الخصبة والشجرة الطيبة، منه بغيرها.
فليحكموا السياج والوقاية وليحذروا الترهل.

******

في عامه الثالث،
لم يعد يغادر عيني ولا عقلي ولا قلبي ولا بيتي.
يقف بيني وبين أطفالي، إذا ما ضربت أحدهم بعصا تلقاها وأعطاه قطعة حلوى أو كوز تين بلدي أخضر أو يابس. يحرّضهم عليّ، يطيعونه ويكذبون عليّ، ويكبرون كل شهر سنة بالسرّ، ويسبقونني إليه.
يستبيح دفاتري وحبري وأقلامي.
عندما أكتب عن الورد أجده بين أوراق الوردة.

اقرأ أيضاً: مارون عطالله.. شاهد يشبه الشهداء

يحرن اليراع.. وتقصّر اللغة وتقْصُر، عندما أكتب عن أبي أجده في وجهه، في غضون جبينه، في شقوق راحتيه، فيأخذني المشهد ويفوتني الكلام.
ويأتيني الوجد، تأتيني الحال، أرى شموساً وأنهاراً ووعوداً بالمطر والثلج والدفء.. أبتلّ عرقاً وأرتجف برداً وأفرح، أفرح حتى آخر شبر من الأرض المحتلة.
عندما أكتب عن فلسطين يسبقني إلى مخيم جباليا، ويقيم الجماعة في جامع القسّام.
ويوزع أدوية مضادة للسعال على أطفال المخيم.
يسد بقطع من قميصه مسارب المياه في سقوف التنك.
ويكتب اسمه على الحجارة ليتحمل مسؤوليتها.
قبل أن تكتشفه جدته وتعاتبه علىطول الغياب لوّح بعصاه جنوباً ومضى.
قبل أن يغيب عن العين أمعن في القلب..
ويتحدث الأطفال عن صوته في الريح.
والخطباء عن كلامه في الصمت.
والفلاحون عن لون عينيه في قوس قزح وبشائر الصحو والفلاحة والبذار والفلاح.
والأرض عن وقع أقدامه حيث تنبت شقائق النعمان وتزهر الهندباء.. والبلّان.

(شباط 1988 – في ذكرى الشهيد الشيخ راغب حرب)

(من كتاب “في وصف الحب والحرب”)

آخر تحديث: 3 أبريل، 2019 1:17 ص

مقالات تهمك >>