الاختلاف والاحترام لمقدّسات الآخرين وغير المتدينين

ما هي حدود الحريّة في التعاطي مع المقدّسات الدينيّة، ولا سيّما مقدّسات الآخرين، لا سيّما وأنه حصل مؤخّراً إشكال ناشئ من وضع رموز المسيحية على أجساد شبه عارية؟

أودّ أن أبدأ الحديث عن هذا الموضوع بكلمة حكيمة ودقيقة للزعيم المصري المرحوم سعد زغلول ـ وهو من أبرز المدافعين عن قضية الحريّة ودعاة إعادة الاعتبار لها، سواء في المجال السياسي أو في المجال الاجتماعي ـ والكلمة الدقيقة التي لفتتني في هذا المجال هي قوله: «إنّ الحريّة لا يجوز أن تقيّد من خارجها، وإنما تقيد بقيود الحريّة نفسها».

هذا يعني ـ كما هو واضح ـ أنّ للحريّة قيوداً، ولا يظنّ سوى الجاهلين أو أنصاف المتعلّمين هذا البعد الجوهري في الحريّة (أي في قيودها) فالحريّة كما هو إجماع فلاسفة التاريخ كله لا يمكن إلّا أن تتضمن ما نسميه بالمسؤولية، إنّ حريّة بدون مسؤولية هي عبث وفوضى ولا علاقة لها بغايات الحريّة وأهدافها النّبيلة.

وأضيف إلى مقولة سعد زغلول المقولة الشهيرة: «إنّ الحريّة تنتهي عندما تبدأ حريّة الآخرين» إذن، هناك قواعد للحريّة تحول أثناء ممارستها دون الاصطدام بحريّة الآخرين بوصف الحريّة هي حق يتساوى فيه الناس جميعاً. وأكثر ما ينجم عن هذه الحريّة هو ما نسميه بالاختلاف (أي اختلاف الآراء) والاختلاف هو حقّ من حقوق الكائن الإنساني، وهو بالتأكيد اختلاف يبقى مشروعاً، وربما ضرورياً ما لم يصل إلى حدّ الصدام والنفي، والنفي المتبادل بين الأطراف التي تمارس حرياتها.

اقرأ أيضاً: جوهر الأديان ومصدر الانحراف: التوحيد ونكسة الاجتماع الإسلامي

منتقلاً إلى الحريّة الدينيّة أقول إنّ الأديان التي تعتنقها البشرية هي أديان مختلفة، ومن حقّ كل جماعة دينيّة أن ترى نفسها على صواب فيما تعتقده وتعتنقه من عقائد وأفكار وطقوس وممارسات وحتى هذا الحدّ فإنّ الأمر طبيعي ولا غرابة فيه.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يجيز لي اعتناقي لدين معيّن وإيماني بصوابه أن أعلن هزئي واحتقاري لأديان الآخرين؟ ولو كنتُ أعتقد أنهم غير محقّين.

والجواب أنّ اختلافي معهم جائز، ولكن احتقاري لهم والتشهير بهم وإيذاء مشاعرهم أمر مرفوض وغير جائز، سواء كان ذلك انطلاقاً من قيَم الدين نفسه الذي اعتنقه، أو من قيَم الحريّة التي أؤمن بها وأؤمن بحقّ الآخرين بأن يمارسوها في اعتناق أديانهم وفي ممارساتهم.

وهنا أنتقل أيضاً إلى الفئة الأخرى من غير المتديّنين أساساً لأقرر أن من حقهم أن لا يكونوا مؤمنين أو متديّنين فهذا أمر يعنيهم، ومن منطقي الديني أرى أنّ هذا أمر يتعلق بينهم وبين الخالق، وليس من حقي أن أمارس أي صورة أو شكل من أشكال العقاب لهم أو السخرية والهزء بهم.

اقرأ أيضاً: لماذا تأخر الشيعة عن بناء الدولة

وبالمقابل فهل يحقّ لهؤلاء لأنهم غير مؤمنين بالدين أو بطقوس الدين أن يمارسوا أي شكل من أشكال إهانة المقدّسات الدينيّة، متذرّعين بمبدأ الحريّة، أليس في هذا تجاوز لمبدأ الحريّة كما أشرنا سابقاً عندما قلنا أنّ حرّيتنا تنتهي عندما تبدأ حريّة الآخرين، وأنّ من حقّنا أن نختلف مع الآخرين وليس من حقّنا أن نهزأ بهم! أو أن نعرِضَ بمقدّساتهم بما يسيء لهم ولمعتقداتهم.
أليس من الإهانة لشعار مقدّس في الدّين المسيحي كالصليب مثلاً، بأن يوضع على أجساد عارية أو شبه عارية تحت ذريعة الحريّة واعتبار ذلك أمراً مشروعاً تبرّره حريّة التصرف الشخصي للأفراد.

إنّ هذه الظاهرة وغيرها هي تعبير عن أزمة حقيقيّة في فهم مدلول الحريّة وأبعادها وهي في أحسن الحالات تعبّر عن القصور العقلي في فهم مقولة الحريّة، وبالتالي: فإنّها تفتقر إلى ما سمّيناه بالمسؤولية التي وصفناها بأنّها قرينة للحريّة.
إنّ في هذا التصرّف تفلّتاً لا من قيود الدين وأخلاقياته فحسب، وإنما هو تفلّت من مسؤوليات الحريّة وقواعدها المقدّسة.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 1 أبريل، 2019 5:51 م

مقالات تهمك >>