زيارة بومبيو … وسياسة النعامة

الأسبوع الماضي كان أسبوع زيارة بومبيو للبنان، وكانت أصداؤها قد وصلت قبل وصوله شخصيا. كانت كل الأخبار تنبئ عما يحمله معه من تهديدات بتصاعد العقوبات ضد حزب الله وما قد تحمله من تداعيات على لبنان ككل، وقد تأكد ذلك بعد وصوله وتصريحاته خاصة بعد إجتماعه بوزير الخارجية جبران باسيل. من هنا لم يكن ما قاله بومبيو هو المفاجأة.

كانت المفاجأة بطريقة التعامل اللبناني مع الحدث الذي شئنا أم أبينا وبعيدا عن العنتريات هو حدث خطير على لبنان دولة وشعبا ومؤسسات بحيث لم يكن التعامل جديا ومسؤولا بل كان على طريقة النعامة التي تدفن رأسها بالرمال وتعتقد أن العدو لا يراها.

لا نقول هذا من منطلق إنهزامي وإنبطاحي بل نقوله من منطلق واقعي وسياسي، هناك مشكلة خطيرة وهي ليست جديدة ولا وليدة اليوم بل عمرها سنوات وهي تتفاعل حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، وهي تتطلب التعامل معها بمسؤولية وشجاعة وواقعية حتى نجنب أنفسنا وبلدنا الأخطار الناجمة عنها لا سيما وأن عدونا يتربص بنا ويتحين الفرصة لإقتناص أي غلطة من قبلنا مدعوما بإدارة أميركية شرسة لا يعيقها عائق عن تحقيق أهدافها المجنونة التي تتواءم مع أهداف عدونا.

اقرأ أيضاً: حزب الله يسجل انتصاراً سياسياً كبيراً بفضل بومبيو

لكن للأسف هذه المسؤولية لم نرها في تعامل الدولة اللبنانية مع هذا الحدث، بل كان التعامل معه بكل خفة وشطارة على الطريقة اللبنانية كأن نكتفي بالقول و”التأكيد” لبومبيو بأن حزب الله هو مكون لبناني له وزراء ونواب منتخبون من الشعب، وكأن بومبيو لا يعرف هذه الحقائق البديهية وتجاهل المعنيون أن بومبيو بزيارته لبنان وطرحه ما حمله إنما يعني بأن أميركا تعرف كل هذا، وإلا فلماذا يأتي إلى لبنان إذن لو لم يكن يعتبر حزب الله لبنانياً، فالخلاف ليس على هذه البديهيات وأميركا لا يهمها جنسية حزب الله بقدر ما يهمها سياساته وتدخلاته في الإقليم من سوريا إلى اليمن مرورا بالعراق عدا عن سياساته في لبنان طبعا من حيث تأثيرها على أمن إسرائيل بالمقام الأول.

إذن الموضوع واضح والمشكلة القائمة معروفة للقاصي والداني ولا داعي للتذاكي والتشاطر فالحدث لا يواجه بسياسة الزواريب اللبنانية بل بالدبلوماسية الهادئة والرصينة التي بتنا نفتقدها في لبنان وبالسياسة الحكيمة التي تحاول إستيعاب الموضوع وطرحه بجدية بين الأطراف اللبنانية كافة ومحاولة رسم إستراتيجية موحدة تغطي كل ما يشغل بال اللبنانيين من هواجس إن كان على مستوى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة والحدود البرية، أو على مستوى الحدود البحرية وترسيمها، لطرحها على الجانب الأميركي ومحاولة إفهامه أن الأمور لا يمكن أن ينظر لها من جانب واحد، وأن للبنان هواجسه أيضا التي تهدد وحدته وإستقراره ومصالحه وعلى أميركا أن تأخذها بعين الإعتبار ما دامت تعتبر نفسها صديقة للبنان.

طبعا لسنا بسذج كي نعتقد أن الأمور بهذه السهولة إن كان على مستوى تفهم وتجاوب الجانب الأميركي مع ما نعرفه عنه وخاصة الإدارة الحالية من عنجهية وتحيز للعدو الصهيوني، أو حتى من جانب حزب الله مع ما نعرفه من إرتباطاته وإلتزاماته الخارجية مع المحور الآخر.

اقرأ أيضاً: بومبيو: إيران لن تملك لبنان

ولكننا نتحدث هنا عن موقف الدولة اللبنانية وواجباتها تجاه البلد والناس ومسؤوليتها أمام العالم، وهذا لا علاقة له بنجاح المساعي أو فشلها ولكن له علاقة بسمعة وصورة الدولة التي على الأقل تكون قد قامت بواجباتها أمام بعض أصدقائها في العالم لعل وعسى تنجح في كسب تأييدهم لإبعاد الكأس المرة عن البلد، فدبلوماستنا تمر اليوم بأسوأ عهودها وعلينا تفعيلها وإعادة الإتصال والتواصل مع أصدقاء لبنان في العالم وهم كثر لشرح وجهة نظرنا بدل العنتريات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

فالبلد في حالة يرثى لها ولا نذيع سرا إن قلنا هذا ولا نسعى لنشر الإنهزامية والإستسلام، ولكن في الوقت نفسه لا يجب أن نخدع أنفسنا ونرمي بها إلى التهلكة، فلا مصلحة لنا في البلد إلا بالنأي بأنفسنا عن كل صراعات المنطقة القريب منها والبعيد، والإهتمام فقط ببلدنا وحمايته على كل الصعد وخاصة الإقتصادية منها لأنها خط الدفاع الأخير بعد الإنهيار السياسي والإداري والإجتماعي الذي يعيشه والذي لا يستوي معه الحديث عن مقاومة إقتصادية، فالمقاومة الإقتصادية لا يمكن أن تكون دون أساس سياسي وإجتماعي متين توفره وحدة وطنية حقيقية ووفاق سياسي جدي بعيد عن الأنانية ومحاولات الإستئثار الفئوي بالمناصب والوظائف والمكاسب الآنية التي لن يعود لها أي قيمة إذا ما إنهار البلد

آخر تحديث: 29 مارس، 2019 6:06 م

مقالات تهمك >>