قاديشا.. قاديشو حوار في الوادي

تبهرني عمائر عملاقة مبنية للدنيا.. أو الدين؟ ولكنها سرعان ما تعيدني إلى ذكريات الفقر، التي تحيلها الألفة والشراكة، إلى لذاذات وجمالات عذبة سائغة وهنيئة.. وليس مبالغة ان بعض الثمار المرة أحلى من الحلى، وأن بعض الحلاوات تربط بمرارتها لسان من يَطْعَمُها إن كان تقياً والتفت إلى الحرام فأدركته غصة وتداركته التوبة.
وقد يكون الذنب ضرورياً لاكتشاف قيمة التوبة، وقد جاء في المأثور النبوي “كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون “… أمام العمائر المترفة.. أشتاق إلى بيتي القديم، إلى الغرفة الطينية ذات الوظائف التي تتعدد بتعدد المواقيت والمواعيد بين الليل والنهار، والصيف والشتاء، كأي وطن أكبر من وطن كلبنان.. كانت تبقى ضيقة مهما اتسعت، وفي لحظة تسع الدنيا أو الضيعة كلها.. يكون القلب الواسع قد مد يده اليها فصارت تتسع لألف صديق وحبيب، لشد ما كانت قلوبنا واسعة، ولشد ما صارت بيوتنا واسعة ولكن عامريها قلّوا ويقلّون!

اقرأ أيضاً: أغنية مع البلبل إلى أطفال العراق

هذه العمائر، الحفائر، القصور الموغلة في الداخل كأنها تريد الذهاب إلى منابع النور ومصادر الوحي، هذه (الثقوب الفقيرة) التي تشاكل ناحتيها وساكنيها وتثبت أنه وكما المكان بالمكين فإن المكين بالمكان.. قنوبين.. قاديشا، شاهدان على هذه المعادلة.. واديان ولكن الهيبة هيبة الذروات.. والشعاب الذاهبة من محبسة إلى محبسة، كأنها شماريخ الأعالي، أو شرايين الزمان.. وكم كانت السواعد التي حفرت هذه الصخور الصلدة، صلبة وناعمة كيد الله؟ لقد أثارت غيرتي في لحظة فصال يأتي إلى ذهني خلسة من طراطيش الحرب الملعونة.. وعندما استقرت عيني على الإنسان في تلابيبها.. تجلى التوحيد وحدة {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً}.. وإذا لم تلتق الرسالات في المصدر والمجرى والمورد، لا تبقى رسالات ولا نبوّات.
“ليس عندهم سوى عصي من خشب ولكنهم أساقفة من ذهب”، عظيم وها هم قد أغروني بالذهاب من زماني إلى زمانهم لعلّي أعود إلى زماني أسْطَعَ حضوراً.. ولا أظن ان عضلات من حفروا إيمانهم في هذه الصخور العنيدة، كانت أكبر من عضلاتنا.. كانت أقوى، لأنها عضلات روحية، عضلات الروح، التي يزيدها الاضطهاد قوة ووهجاً.. عضلات يجري فيها الصبر مع الدم، يصبح الدم صبراً والأوردة أزاميل.. ويتحول العظم إلى عظمة والصخر إلى شعر وصلاة.
كانت ملحمة النبوة اقتضت أن يهاجر أبونا التوحيدي إبراهيم مع سارة وإسحاق لتبقى هاجر وولدها إسماعيل في صحراء الحجاز، في هجير مكة.. ولكن إبراهيم خليل الله يعرف مكانته عند خليله.. ودّعهما ونظر بعينين حزينتين واثقتين نحو السماء، ثم حدّق فيهما، ثم أعاد النظر إلى السماء.. فرأى {ما كذب الفؤاد ما رأى} ، {رأى من آيات ربه الكبرى} .. رأى فدعا {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}، وانفجر الرمل عن ماء زمزم وصار الوادي المقحل ذا زرع وغلال.. وصار محجة تأتيه الأجساد والقلوب والخيرات من كل الجهات لتتجلى عافية وتوحيداَ ووحدة.
كأن النهر كان ينتظرهم ليحولوا الوديان إلى كروم وحقول حنطة.. ويحفروا منازلهم، أعشاش الفينيق، وقبورهم، بالإبر، ليغار منهم الصبر والصبار.. وها هي أفئدة من الناس تهوي إليهم.. وتهواهم.. وتشم هواهم.
أبونا مارون على مهلك.. طول بالك.. أهلكتنا..
أف.. ما أبهى هذا الوجع في المفاصل.. وهذا العرق المتصبب حتى من إنسان العين.
كنا نخوض الفيافي والوديان بحثاً عن أعشاش العصافير
اليوم بحثنا عن أعشاش البشر، فعثرنا على ناس، على الناس، على الانسان، على الانس، فأنسنا واستأنسنا وتأنسنا وقررنا أن نعيد البناء معاً.. من هنا من أحجار الروح وطين الحب.. ولون الشفق والغسق.. على تراتيل القبّرةالتي تعلمتها من سكان المحابس.. يا مارون إني مشتاق إلى الكعبة.. إلى غار حراء في جبل أبي قبيس الذي قال عنه الرسول “جبل يحبنا ونحبه”، إلى مكة.. إلى العفو النبوي عن الخطاة.. حيث كان في مكة حجر يكلم الرسول ويسلم عليه.. سلاماً على هذه الحجارة الممتلئة حياة وصلاة.. آه لو ترافقني إلى هناك يا مارون عطالله.
لا أدري من أين أتتني هذه القوة ؟ على أن في مجموعتنا من يكبرني بعشر سنوات أو أكثر.. وفي لحظة استراحة من أجلي.. اكتشفت أن رفيقي البيروتي الرشيق يعاني من عطل مزمن في إحدى ركبتيه.. ولا يتوجع ولا يلهث ولا يتأفف.. وهكذا تنتعش الروح بالجماعة عندما تتنوع وتجتمع وتذهب في البحث عما يجمع من حلم، ووجع وذاكرة مهما تلونت بخصوصياتها فإنها تزدهر وتزهر بالشراكة.
وفي ذروة الانتعاش تمارس الروح سلطتها على الجسد، تأمره فيأتمر وإلا فكيف عاش من عاش في هذا الوادي عمره كله عندما كانت الوعورة أوعر، والوحوش أوحش، عاشوا وعاش الوادي بهم، حتى أصبحت أعماقه قمماً وسفوحه مطلات على السماء وشرفات على الأهل والغد، وقممه تحديقاً في الأعماق، في قلب الله.. وأشواق البشر.. التائقين إلى العتق والخبز الحلال.
كانوا يتممون غذاءهم القليل والمتواضع بالزهد، ويردون شر الجور بالصبر، والإصرار على الفناء طريقاً إلى الحياة ويقاومون الأرذال والرذائل بالعفة، ويواجهون قيافاً بوجه يسوع، حتى لانت الصخور، وتحولت الثقوب الفقيرة إلى حافظات كنور، وأصبح مثال الموارنة في أمسهم.. وهل مثال غيرهم في غير أمسه!!
ولكم تمنيت وأنا في وادي قاديشا أن لو بقيت الكعبة ومحجات المسلمين كما كانت.. لكانت أمتع للروح.. ولعل هناك أهمية إضافية لهذه الأيقونات الصخرية الحنّانة الباذخة.. هي أنها لم يصنعها حاكم عادل ولا جائر ولا دخل فيها مال مشبوه. من هنا كان بإمكاني أن أستوعب خصوصيتها المسيحية أو المارونية وأتجاوزها إلى فضائها التوحيدي والإنساني كفضاء للشراكة، من دون أن أبخس الموارنة حقهم بالفخر بأن تكون أساساتهم اللبنانية بهذا الحجم من الأبهة.. على أن يفطنوا إلى ضرورة الإضافة اليها من خلال توطينها، أي التسليم أو الرغبة بتحويلها إلى مشترك من خلال العيش المشترك.. وإلا فسوف يكونون محرومين من نِعم دلالاتها ونداءاتها.. من دون أن يكون بإمكان أحد منهم أن يحرمني من لذة الزيارة واكتشاف معنى التاريخ في الجغرافيا ومعنى الوحدة في التعدد، ومعنى الحب في الحجر ومعنى الصلاة في المعول. ذلك.. أننا قررنا وبشكل نهائي أن نعيش.. ولن نعيش إلا معاً. أي بالسلام.. ومن أراد أن يصنع حرباً فليصنعها لنفسه ولمن يتبعه من أهل الجهالة ويقابله من جهلاء الجماعات. أما أنا فلن أحرم نفسي من تناول تفاحة طازجة أقطفها بيدي من بستان في بشري أو حصرون أو حوقا أو بزعون.. وأكدشها بشراهة وطنية في ظل أرزة شامخة فارهة.. وخالدة.
كانت سياحة روحية وتجربة نوعية في الاندماج، أي إعادة اكتشاف وجهك وعينك وعقلك وقلبك وذاكرتك وحلمك وحزنك وفرحك، في وجه الآخر.. في الآخر، في عينه وسره، لقد استقوت أرواحنا على أجسادنا عندما تواصلت.. صاعدة إلى الأرز حيث كثافة الرمز.. هابطة إلى مجرى النهر الذي ترتوي منه فيرتوي بك ويصبح رواية وحكاية.. كأنه لبنان.. قد يشح ولكنه لا ينضب لأنه على موعد دائم مع الثلج. وهناك أرواح تحرسه.. تخرج من الأدغال ومن بين الصخور ليلاً.. ويمتد جسر من صلاة بين الضفتين.. وتقرع الأجراس وحدها.. كأن هناك نسيماً عليلاً يحركها.. فيأتي صوتها هادئاً وأليفاً وعميقاً.. ويحلم الحمل بجوار ذئب وديع.. ويتوقع الذئب أن تقوى عضلات الحمل فينوي سلاماً أو يهرب.
لقد قرأت وحاورت لأَبني حياتي على المودة والمودة على المعرفة.. قرأت كثيراً… ولكن ما قرأته (كوم) ورحلتي إلى قاديشا في مجموعة وطنية ملونة كلبنان.. كقوس قزح (كوم آخر).. أعدكم بأن أبقى في ورشتكم أفكر بلبنان أمثولة للدنيا.. ونعيد البناء معاً.. ولن نعيد البناء الا معاً.. ولن نكون معاً إلا من أجل إعادة البناء.
أحبابي.. في بدايات الحرب في لبنان.. لا الحرب اللبنانية التي لم يأتِ ولن تأتي إلا بمقدار ما يصبح الواحد منا اثنين. فيأتي الهواء الفاسد ملوثاً بالبارود.. في بدايات الحرب، وفي لحظة جهل.. شعرت وكأن يسوع لم يعد يهتدي إلى غرفته في عمارة قلبي، لأن الطريق ممتلئة بالعوائق المصطنعة.

اقرأ أيضاً: حين اكتشف هاني فحص أن الأحزاب الإسلامية «لينينية»!

أدركت أن إيماني وإسلامي وولائي لأهل البيت وجدهم الحبيب محمد في خطر.. وأن وجداني آخذ في التصحر.. ورأيت فيما يرى النائم علياً يخاطب أحبته يقول: “وإن شئتُ قلتُ في عيسى ابن مريم عليه السلام، فلقد كان يتوسّد الحجر، ويلبس الخشن، ويأكل الجشب، وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله، دابته رجلاه، وخادمه يداه” ! فهمت كثيراً وعميقاً وثبتُ إلى الصواب.. استراحت نفسي.. وفي وادي قاديشا.. في قنوبين أتاني من المعنى في كلام علي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. يقول مولانا جلال الدين الرومي :” والأرواح في أصلها ذوات نفس كنفس عيسى، حيناً تكون جراحاً، وحيناً تكون مرهماً.. ولو أن الحجاب رفع عن الأرواح لكان قول كل روح على مثال عيسى”.
لقد كان كل ما رأيته وسمعته فائق الجمال وجديداً عليّ.. كنت أعرف دور الأديرة نسكاً وحياة وإحياء وأعرف دور الرهبانيات تنظيماً وإدارة، وإنتاجاً للمعرفة وأسباب الحياة ورعاية لطلاب الحياة في الدارين.. كنت أعرف.. ولكني لم أكن أعرف هذا الإلحاح على العقل والحضور.. في الصخر وفي الوعي.. للأديرة وشراكاتها مع الفلاحين في تمهيد الأرض الصعبة.. وقطاف المواسم والحصاد.. ولم أكن أعرف هذا الانخراط المبكر للرهبانيات في حياة الناس وعقولهم والإتيان إلى لبنان من الآفاق (دومينيكان مثلاً) والإطلالة منه على الآفاق (ديران أثيوبيان مبكران) وفهمت.. كيف تلقى المسلمون مفاتيح التصوف من مسلكيات ومعرفيات مسيحية مبكرة.. احتجاجاً على تضييق الدين، وحرصاً على توسيع فضائه للجميع من أجل الجميع وإعادته إلى أهله من الفقراء والخراف الضالة .. على نصاب المحبة كشرط لمعرفة الله عن طريق خلقه.

(من كتاب “في وصف الحب والحرب”)

آخر تحديث: 26 مارس، 2019 12:16 م

مقالات تهمك >>