جوهر الأديان ومصدر الانحراف: التوحيد ونكسة الاجتماع الإسلامي

يقول العلامة السيد محمد حسن الأمين: الأديان السماوية يصح، بل ينبغي أن نطلق عليها تسمية الإسلام وإن كانت هذه التسمية قد اختصّت في العرف العام بالدين الذي جاء به الرسول الأعظم محمد(ص) ولكنّنا وانطلاقاً من مهمّة هذا الرسول الخاتم نلمس سواء في القرآن الكريم، أو في أحاديث الرسول أنّ رسالة النبي هي خاتم الرسالة الإسلاميّة التي اضطلع بها الأنبياء قبله، وهذا يكشف أنّ جوهر الإسلام في كل الديانات السماويّة واحد، ركيزته هي التوحيد.

التسلسل التاريخي لهذه الرّسالات المتعددة بدءاً من آدم ونوح وصولاً إلى خاتم الأنبياء هي حلقات متراكزة جاء الإسلام المحمّدي ليشكل الدائرة الأوسع التي تتضمن دوائر الإسلام السابقة، ولكنها بوصفها الرسالة الخاتم لم يكن بدّ من أن تكون أكثر اتّساعاً ويبقى التوحيد جوهرها، هنا لا بدّ للباحث أن يتساءل: ترى ما الذي جعل من هذه الأديان السماوية ذات المصدر الواحد، والعقيدة الواحدة، أدياناً مختلفةً في كثير من الجوانب العقائديّة والتشريعيّة؟

الجواب في نظري أنّ الأديان حين كانت تنزل بواسطة الوحي على الأنبياء ويضاف إليها مع الوحي شبكة كاملة من التعاليم والأحكام والآداب، كانت بمرور الزمن تتراجع وفي أحيان كثيرة تغدو هذه الأديان بسبب الانحرافات التي تصيبها وغالباً بسبب الكهنة والمؤسسات الدينيّة، كانت تفقد الكثير من عناصرها وربما تغدو متناقضة مع أصولها وتعاليمها الجوهرية، فكان لا بدّ أن تقضي الحكمة الإلهية بتجديدها أي بإعادتها إلى جوهرها الأساسي، فيبعث الله رسولاً جديداً لهذه الغاية، ثم يتكرّر هذا الانحراف، وغالباً بسبب احتكار فئة من الناس ينصّبون أنفسهم ناطقين باسم الدين فيقتضي أن تتجدد هذه الرسالة بنبي جديد وصولاً إلى خاتم الرسل النبي محمد(ص) والذي كانت مهمّته الأساسيّة هي مقاومة هذا التحريف الذي أصاب الأديان التوحيدية، مجدِداً دعوة التوحيد وجعلها دعوة شاملة وكاملة وتجيب على أسئلة الإنسان فيما يتعلق بالتوحيد وبكلّ تداعياته في العقل البشري، وفي حياة الناس بصورة عامّة.

اقرأ أيضاً: لماذا تأخر الشيعة عن بناء الدولة

نحن نلاحظ أنّ المسلمين ـ وحتّى غير المسلمين من أتباع الديانات الأخرى ـ يعتبرون أنّ النبي إبراهيم هو أبو الديانات التوحيدية، وإذا توخّينا الدقة فإنّنا ينبغي أن نعتبر أول الأنبياء وهو آدم هو أبو الديانات التوحيدية، ولكن تخصيص النبي إبراهيم بهذا الأمر، جاء نتيجة دعوته الشاملة فهو من أنبياء أولي العزم وأيّما كانت مسألة التوحيد هي محور جهاد هذا الرسول العظيم الذي تبلورت على يده فكرة التوحيد.
لأنتقل إلى القول متسائلاً: ترى هل الإسلام المحمّدي ـ وهو الدين الخاتم ـ كان بمنأى عما تعرّضت له الأديان السماويّة، أي هل تعرّض الإسلام كعقيدة وشريعة للانحرافات التاريخيّة التي حصلت في الأديان السابقة؟

الجواب على ذلك في نظرنا: أنّ هذا الإسلام المحمّدي أريد له من الله أن يكون خاتمة الرّسالات، فعزّزه بعنصر أساسي وجوهري وبتدخّل إلهي مباشر من خلال استمرار القرآن الكريم ومنع تحريفه وتكفّل الله سبحانه وتعالى بمنع هذا التحريف.
فبالرّغم من كلّ الاختلافات والصراعات، وتعدّد المناهج والاجتهادات، وبالرغم من كلّ محاولات التحريف ظلّ هذا الكتاب بمنأى عن التحريف زيادةً أو نقصاناً بما يعني أنّ الخطاب الإلهي الذي نزل على النبي ما زال هو نفسه قائماً، وهذا ما جعل هامش الانحراف في العقيدة الإسلاميّة هامشاً ضيّقاً رغم تعرّض الإسلام من قبل البشر وخاصّة السلطات التي حكمت المسلمين عبر التاريخ ظلّ بمنأى عن الانحراف النوعي، وظلّت الاختلافات في قراءة الإسلام خلافات هامشيّة إذا قيست بالانحرافات الكبرى التي أصابت الأديان التي سبقت الإسلام.
ولكن هل يعني هذا أنّ الإسلام المحمّدي ـ وهو عقيدتنا الثابتة ـ لم يتأثّر بالصراعات والانقسامات التي حدثت في الاجتماع الإسلامي، وهل يمكن الجزم بأنّ الإسلام الراهن في عصرنا هو الصورة المطابقة لجوهر الإسلام وغاياته؟
من وجهة نظرنا أنّ ثمة عناصر كثيرة ولو أنّها هامشية إذا قيست بما تعرّضت له الأديان السماوية إلّا أنّها أضعفت كثيراً قوة الرسالة الإسلاميّة.
وربما كان سبب ذلك عدداً من العوامل لعلّ أهمها من وجهة نظري أنّ استيعابنا وفهمنا للإسلام لم يتجدد بالدرجة التي يتطلّبها استمرار هذا الدين وبقائه على امتداد الماضي والحاضر والمستقبل، إنّ قراءتي للإسلام تدعونني إلى القول: إنّ الاعتقاد والإيمان بالعقيدة الإسلاميّة وبالشّريعة بما هما نصٌان ثابتان لا ينفيان بل يستدعيان بالضرورة تجدد القراءة للنص الإسلامي الثابت، ولكن الحاصل هو ما نلاحظه كمفكّرين أنّ العقل الإسلامي الراهن هو في أغلب توجهاته ميّالٌ إلى التعبد بمعطيات التراث الإسلامي، أي بالفهم والفقه الذي قدّمته أسلافنا من الأجيال الإسلاميّة دون أن نملك الطموح الضروري لقراءة الإسلام وأدبيّاته وغاياته وفق المعطيات والمتغيّرات التي بدأ يشهدها العالم والحضارات البشرية منذ قرون متعدّدة.
فالإسلام هو وانطلاقاً من إيماننا بأنّه الدين الخالد، لا ينبغي لأتباعه أن لا يكونوا في مقدّمة الحضارات الإنسانيّة، فهل الإسلام مسؤول عن ذلك؟ أم أنّ الفكر والعقل الإسلاميين هما المسؤولان؟
في نظري أنّ الإسلام يتضمن بصورة استثنائية وكبيرة تمجيد العقل الإنساني، ولعلّه الدين الوحيد الذي بلغ مبلغاً لم تبلغه أيّ دعوة دينيّة أو غير دينيّة في الحث على استخدام العقل، بل ربط الإيمان بالعقل وبإعمال هذا العقل، وقد لاحظنا أنّ هذا العنصر ـ أي عنصر اعتبار العقل ـ كان يشكّل المظهر الأبرز في القرون التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلاميّة.
وفي رأيي أنّ النكسة بل لنقل الهزيمة التاريخيّة للاجتماع الإسلامي منذ أكثر من سبعة قرون ارتبطت إلى حدّ بعيد في تراجع دور العقل وأهميته وفي الاعتماد على النقل مما أنتجه التراث السابق، وعليه فإنّ وجهة نظري في النجاح، نجاح قيام النهضة الإسلاميّة في عصرنا الراهن وفي المستقبل قد تعتمد على ركائز متعددة، ولكن أبرزها وأهمها هي إعادة الاعتبار للعقل بوصفه الواسطة التي زوّد الله سبحانه وتعالى فيها الإنسان للحوار مع هذا الكون والعالم، والطبيعة والاجتماع الإنساني، وهذا يتطلّب جهوداً كبيرة ومنها العمل الجدي والجريء، الإعادة لقراءة التراث قراءةً مختلفةً ومتجددة، فتجديد الحضارة الإسلاميّة مرتبط إلى حدّ كبير بتجديد قراءة النص، وقراءة التراث، والتراث كما نعلم ليس ديناً، ولكنه أثر من آثار القراءات التاريخيّة للنصّ الديني وفي هذا التراث ما هو حيّاً لا يزال وشعلته مستمرّة ولكن الكثير من هو بمثابة الرّماد، فينبغي أن تكون علاقتنا بالتراث هي التواصل مع هذه الشعلة أو اللهب المضيء، وليس مع التراث بكل ما فيه.

اقرأ أيضاً: مسلك علماء جبل عامل ماضياً وحاضراً

ومثل هذا الخيار هو شكل من أشكال تحمل أعباء الرسالة الإسلاميّة، وأرجو أن لا يظنّ أحد بأنّه محاولة للقطيعة مع التراث، لأنّ القطيعة مع التراث أمرٌ مستحيل، ولكن تجديد قراءة التراث أمرٌ واجب، وهو تعزيز لعنصر العقيدة التي ترى في الإسلام ديناً خالداً فهذا الخلود يتطلب بالإضافة إلى النصوص الأولية في الدين عقلاً يستنبط مناهج ورؤى جديدة تتناسب مع الراهن والمستقبل.
ثمّة حديث شائع ينسب إلى رسول الله: «إنّ الله يُرسل على رأس كل مائة عام من يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها».
إنّ إعادة الاعتبار إلى العقل كما أشرت هي طريقة المسلمين للتطور العلمي والتقني والاجتماعي لكي يصبح المسلمون مشاركين في إنتاج ثمرات العلم التي تكاد تقتصر مهمة إنتاجها على العوالم الأخرى غير الإسلاميّة، الأمر الذي جعل المسلمين في نظر العالم متخلّفين، ومن شأننا استناداً إلى أدبيات الإسلام أن نكون خير أمّة أُخرجت للناس، وهذا لا يقتصر معناه على جانب دون آخر، بل يشمل كل المعطيات الإيجابية التي تميّز الأمم المتقدّمة، ومنها العلوم التطبيقية وحتى العلوم الإنسانية.
وهذا كما يلاحظ القارئ ما تتضمنه عشرات بل مئات الآيات القرآنية، في الدعوة إلى التدبر في النظر في الكون والطبيعة بقصد أن يتمكّن الكائن الإنساني من تحقيق الغايات الكبرى لخلق الإنسان، وهي إعمار هذه الأرض.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 26 مارس، 2019 5:24 م

مقالات تهمك >>