بومبيو بين صندوق الرسائل وكيس المفرقعات

يجمع المراقبون – أو يكادون – على أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جادة في مواصلة تنفيذ خطة متدرجة لتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، عقب التمدد الذي حققته في مرحلة التفاوض على الاتفاق النووي بين طهران وإدارة أوباما. فبعد إلغاء هذا الاتفاق، تواصل الدبلوماسية الأميركية سياسة تطويق إيران والتضييق عليها، بشتى أنواع العقوبات من مالية وأمنية.
في جولته الشرق أوسطية، سعى وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى شد عصب حلفاء واشنطن المتضررين من الطموح الإمبراطوري الإيراني. ومع أنه من المبكر الاستعجال في تقييم الحصيلة العامة لجولته، فإن عدداً من الإشارات والأحداث يفسر – وإن جزئياً – هذا التحرك الأميركي الصاخب.

فالسياسة الروسية اتخذت طابعاً هجومياً، ولم يغب عن المسؤولين الأميركيين اللقاء الذي عُقد في دمشق بين بشار الأسد ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، كما اللقاءات المتكررة والمكثفة بين رؤساء أركان الجيوش الإيرانية والسورية والعراقية.
من البوابة الكويتية، أكد الأميركيون جديتهم في التصدي للغطرسة الإيرانية، وأظهروا رغبة في استعجال قيام جبهة سياسية – عسكرية، عبر تحالف استراتيجي بات يعرف بـ«الناتو العربي». وشرط نجاح هذه الخطوة هو إعادة الوئام إلى العلاقات الخليجية، وهذا ما تسعى إليه الدبلوماسية الكويتية، ويلقى تشجيعاً لافتاً من واشنطن.

لجهة العلاقات مع تركيا، فهي تشهد شداً وجذباً، أوصل الليرة التركية إلى الحضيض، وسط تصريحات إردوغان الاستفزازية والشعبوية حول المجزرة العنصرية في نيوزيلندا. إلى هذا، أثارت القمة الرباعية في القدس التي جمعت إسرائيل واليونان وقبرص بحضور بومبيو حفيظة تركيا، لا سيما بعد ما رشح عنها من نية في استبدال اليونان بتركيا في تسويق الغاز الإسرائيلي، عبر خطة لمد خط أنبوب للغاز منبعه إسرائيل، ويمر عبر قبرص واليونان ليصل إلى أوروبا عبر إيطاليا. حضور رأس الدبلوماسية الأميركية هذه القمة مؤشر إلى مدى التوتر الذي بلغته العلاقات بين أنقرة وواشنطن. إذ بعد أن سقط التقارب مع تركيا، دخلت اليونان من الباب العريض إلى محور استراتيجي ترعاه الولايات المتحدة، وتعمقت علاقاتها مع إسرائيل لدرجة قد تتحول معها إلى البديل من تركيا، في كل ما يتعلق بالتنسيق الاستراتيجي الأمني في منطقة شرق البحر المتوسط وشماله. هذه المسألة ليست في علم الغيب، إذ تم فعلياً نصب كثير من أجهزة الرادار الإسرائيلية في جزيرة كريت اليونانية.

وفي خلفية زيارة بومبيو أيضاً، ما قد يلده شهر مايو (أيار) المقبل من زيادة ملحوظة في العقوبات ضد إيران، يُخطط لها في رحم كواليس الكونغرس والدبلوماسية الأميركية.

وثمة عامل تفجيري آخر، تجلى بتصريح ترمب حول استعداده للتوقيع على قرار الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، في خطوة يصح وصفها بالتجرؤ على القرارات الدولية. وإذا أقدم ترمب عليها متجاهلاً التنديد العربي والدولي، فسيكون قد وضع خطاً جديداً للصراع في الهضبة بين إسرائيل وإيران، التي تسعى إلى إقامة مواقع ثابتة فيها، إما مباشرة وإما عبر «حزب الله». ومع أن هذا التوجه الأميركي لا يزال في سياق النيات، فاحتمالات دخوله حيز التنفيذ جدية، وإن حصل فلعله يكون مرحلة من مراحل «صفقة القرن» المتداولة في الأروقة الأميركية والإسرائيلية منذ فترة، وسيشكل انعطافة خطيرة بعد خطوة نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

هذه الأمور مجتمعة تعني أن إسرائيل دفنت حل الدولتين، وتشرعن – أقله أميركياً – احتلالاتها لأراضٍ كسبتها في حروبها مع الفلسطينيين والعرب، وتوسع هامش تحركها العسكري في سماء سوريا وأرضها، تعويضاً عن الانسحاب الأميركي منها. وسينعكس ذلك على العلاقات الروسية الإسرائيلية، التي يتوقع أن تأخذ منحى أكثر جدية لجهة تقرير مصير الوجود الإيراني في سوريا، وتعزيز موقع روسيا في فرض رؤيتها على تركيا في مناطق نزاعية كإدلب.

في الداخل الإسرائيلي، قد يكون موقف ترمب هو الأرنب الذي كان بنيامين نتنياهو يحتاجه ليخرجه من قبعته، وينقذ نفسه من السجن، أو أقله من الإدانة بالفساد. السياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل تبقى من باب تأكيد المؤكد وتكرار المكرر، وأضيف إليها وصول ترمب إلى البيت الأبيض «لينقذ بعون الله إسرائيل من إيران»، على ذمة قول منسوب إلى بومبيو.

يبقى أن الولايات المتحدة تعمل على ما يسمى «صفقة العصر»، ولا أحد يعلم مضمونها حتى نتنياهو نفسه، على ما يدعي؛ لكنه يحصن نفسه إزاءها عبر تحالفات مع أقصى اليمين، في حال فرضت عليه بنوداً لا يستسيغها، وهذا ما يؤلب عليه الأوساط اليهودية الليبرالية والديمقراطية التوجه.

أما في بيروت، فقد جاءت تصريحات بومبيو فجة وصريحة ومباشرة، فاعتبر أن «حزب الله»: «مجرم وإرهابي ومستنزف لموارد الشعب اللبناني، الذي لم يقدم له سوى الموت»، داعياً اللبنانيين إلى التحلي بجرأة الاختيار بين الحرية التي قام عليها بلدهم، أو الالتحاق بالسياسة الإيرانية. أما الجانب اللبناني، فاستقبل بومبيو في القصر الجمهوري، وفي مقر رئاسة المجلس النيابي، وفي وزارة الخارجية، بموقف موحد: «حزب الله» جزء من نسيج المجتمع، والاحتلال الإسرائيلي يمنح شرعية لمقاومته المسلحة، كما منحته نتائج الانتخابات النيابية شرعية سياسية.

لم يكن بومبيو بحاجة ليستمع إلى أصوات من داخل الحكومة وخارجها، ترفض هيمنة «حزب الله» على القرار المركزي؛ لأنه يدرك تماماً أن هذه المعارضة عاجزة عن تبرير مشاركتها في حكومة، اعتبرت أنها الحكومة التي كرست غلبة «حزب الله» والانقلاب الأخير على الكيانية اللبنانية، الذي يعد له بتأنٍ منذ عقود. وعلى الرغم من ذلك، حاول الطرف اللبناني استدراج الدعم الأميركي في ملف النازحين السوريين، كما في تعزيز الأمن وحماية القطاع المصرفي من العقوبات على «حزب الله»، ملوحاً بجزرة فتح باب مناقصات استخراج الغاز أمام الشركات الأميركية، كدليل حسن نية.

أدار بومبيو أذنه الطرشاء للطروحات اللبنانية؛ لكنه في الوقت عينه أكد على مواصلة دعم الجيش اللبناني وقوات الأمن الداخلية. هذا الأمر يعني أن أميركا لا تزال حريصة على عدم التفريط في تجربة لبنان التعددية، وعدم زيادة الأعباء على نظامه الديمقراطي، ولكن في الوقت عينه لن تسمح للبنان بالإفادة من مخزون الغاز، ما دامت مقاليد السلطة بيد «حزب الله»، وهي التي تسعى عبر العقوبات التي فرضتها عليه وعلى راعيته، إلى ضرب مصادر تمويله وتجفيفها. فهل وصلت الرسالة؟

في المحصلة النهائية، تبقى نتائج جولة بومبيو – أقله في المنظور القريب – رهناً باستحقاقات كبرى يتوقف عليها مصير الحكومة الإسرائيلية ومصير النزاع الإسرائيلي الإيراني، ومآل الأوضاع في سوريا، ناهيك عن النزاع في اليمن، والنزاع بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران. أما في لبنان، فربّ قائل لوزير الخارجية الأميركية: «كأنك يا زيد ما غزيت». رسائل أميركية واضحة تقابلها أفعال لبنانية، لن ينفع حتى الضرب في الرمل في تفسيرها، وسط احتفال الممانعة بانتصارها على شعبها، وغرق المعارضة في نوم ينافس نوم أهل الكهف

آخر تحديث: 26 مارس، 2019 7:39 ص

مقالات تهمك >>