اللبنانيون وبومبيو.. والأزمة الإقليمية

يُظهر الأميركيون حرصاً على عدم تضييع لبنان لصالح المحور السوري الإيراني. لكنّ اللبنانيين ليسوا حريصين على بلدهم ولا على استقلالهم. فمنهم من يقول: نحن منتصرون بالمقاومة وبإيران ولا حاجة بنا إلى الأميركيين! ومنهم من يقول: بل نحن محتاجون إلى الأميركيين، لكننا لا نستطيع فعل شيء ضد «حزب الله». ومنهم من يقول: نحن لا نهتم بالمقاومة ولا بالأميركيين، لكنّ التداعيات كارثية في الحالتين: إن ظللنا في قبضة «المقاومة» والحزب، ينهار الاقتصاد اللبناني، ويقطع الأميركيون مساعداتهم عن الجيش وعن الحكومة، وإن مشينا مع الأميركيين، فالتداعيات تكون بتدخل الحزب لنشر مزيد من الخراب ومحاربة الدولة.

لقد توالى مجيء الأميركيين إلى لبنان هذا العام. أتى ديفيد هيل، وأتى ساترفيلد، والآن وزير خارجية ترامب وأقوى رجالاته. وهم يبدؤون دائماً بالتحذير، ثم ينتهون بالتطمين. يقولون إنّ الحزب يتجاوز الدولة ويستقوي عليها، ويخالف القرارات الدولية، ويهدد الأمن بالداخل وفي الجنوب. والمسؤولون لا يسكتون فقط، بل يجاملون الحزب ويخضعون لتعليماته، ويتنافسون أحياناً فيما بينهم على التقرب لقيادته، إلى حدّ أن باسيل أضفى على زعيمه سمات القداسة. وكل ذلك مسار خطِر، لأنه يهدد الاستقرار الأمني والمالي والاقتصادي.

ثم ينصرفون إلى التطمين فيقولون: إذا تغير السلوك اللبناني فإنّ الأميركيين مستعدون لزيادة المساعدات للجيش وللاقتصاد والوزارات. ومستعدون لدعم استمرار القوات الدولية المانعة للحرب بالجنوب، وللتوسط في مسألة الحدود البحرية التي تخدم مسألة الغاز وحقوله، وللتخفيف عن لبنان في قضية اللاجئين بالتعاون مع الروس.

اقرأ أيضاً: بومبيو في لبنان… وعينه على حزب الله وإيران

أما إجابة المسؤولين اللبنانيين فهي من نوع: سمك، لبن، تمر هندي. فهم بالطبع مع الدولة وهم قادتها، لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا ضد الحزب. والحزب لا يخالف القرارات الدولية، بل إسرائيل هي التي تخالفها! والجانب الغالب يريد التطبيع مع النظام السوري لكي يمكن إعادة النازحين، ولا يريد لبنان أن يصبر لحين الحلّ السياسي كما يريد منه الأميركيون. كما أنه لا شأن للبنانيين بمحاصرة أميركا للحزب. وسيلجأ لبنان للمجتمع الدولي إذا استمرت إسرائيل في الاعتداءات.

وبالطبع فالأميركيون لا يسلّمون بهذه الحجج ويعتبرون أن المسؤولين اللبنانيين يتجاهلون مصالح بلدهم ويحكّمون الحزب فيها. وإذا كانت إسرائيل لا تُسلم بحجج إيران والنظام السوري، فلماذا يتوقعون أن يسلّم الأميركيون بحجج المسؤولين والحزب في لبنان. وما دام الأمر كذلك، فاللبنانيون لا يستطيعون الاستمرار في الاعتماد على الدعم والحماية الأميركيين.

والواقع أنّ المسؤولين اللبنانيين قد أعلنوا عن قبول المبادرة الروسية في مسألة اللاجئين. ويذهب رئيس الجمهورية إلى روسيا للحديث بنفس الطريقة، وربما يعرض على الروس إرادته التطبيع مع النظام السوري. وهذا أمرٌ متسرّع لا يعجب الأميركيين. ويغازل الروس اللبنانيين في الحلول محلّ الولايات المتحدة في دعم الجيش، وبالطبع لا يستطيع اللبنانيون قبول هذا. وبالجملة فالأميركيون فقدوا ثقتهم باللبنانيين وهم لا يهتمون بلبنان من أجل ذاته وإنما لثلاثة أسبابٍ : كونه نقطة صغيرة، لكنها ليست قليلة الأهمية في قطاعه البنكي، وأنه مهمٌّ لأمن إسرائيل، ومشكلة اللاجئين السوريين. ففي القطاع البنكي هناك عشرات مليارات الدولارات. وإذا تخلوا عن الجيش، وراح في تسليحه باتجاه الروس أو الإيرانيين، اقتربت أخطار الحرب بازدياد سيطرة الحزب على قرار الجيش. وإذا توقفوا عن دعم القوات الدولية في الجنوب (45 في المئة من موازنتها منهم) ينسحب الدوليون وتنهار الجبهة، وتنشب الحرب بين الحزب وإسرائيل. والنازحون السوريون في لبنان قد يهددون الاستقرار بضخامة حجمهم، إضافةً لأخطار الهجرة على العالم الغربي.

اقرأ أيضاً: بومبيو يقول كلمته ويمشي والبقية في محبرة ترامب لا في «14 آذار»

وهناك من جهةٍ أُخرى رئيس الحكومة والمعتبر غربياً. وهم لا يريدون أن تتفكك حكومته أو تسقط، وعلى ذلك يحرص الأوروبيون أيضاً. بينما يصر الرئيس ويصر باسيل على تهديد الحريري بإسقاط حكومته لأي مشكلةٍ صغرت أم كبرت كما حدث الأسبوع الماضي. وكان المقصود من وراء هجمة باسيل على سعد الحريري توتير الأجواء على مشارف زيارة بومبيو، وابتزاز الحريري للحصول على قرض جديد للكهرباء، وبعض التعيينات. ويبدو أن الحريري استجاب لهذا وذاك بعد تردد.

ماذا يفعل الأميركيون في النهاية؟ تعتمد المسألة على أمرين: بماذا ينصح بومبيو ترامب؟ وهل يتقارب الأميركيون مع الروس في سوريا أم يتباعدون؟

منطق اللبنانيين: أنتم لا تجرؤون على التخلي عنا! ومنطق الأميركيين: إياكِ أعني واسمعي يا جارة!

 

آخر تحديث: 24 مارس، 2019 9:44 ص

مقالات تهمك >>