«معركة» الفساد.. مكافحة أم محاصصة؟

...في "المعركة" التي أعلنها حزب الله والعهد على الفساد من حق المرء أن يسأل لماذا الآن؟ وما هو الهدف الحقيقي؟ وما علاقة الموضوع بالعقوبات على إيران وحزب الله، حيث ولأول مرة يعترف أمين عام الحزب بالتأثيرات المباشرة لهذه العقوبات لدرجة الطلب من المناصرين "الجهاد" بالمال؟

هذه الأسئلة وغيرها مشروعة ومنطقية، إذ أن حزب الله لم يدخل اليوم إلى الحياة السياسية اللبنانية وتفاصيلها الصغيرة اليومية، فهو في صلبها أقله منذ العام 2004 فماذا عدا مما بدا كي يتنطح اليوم لمكافحة الفساد وهو واجب شرعي ووطني وأخلاقي مهم. هل هي صحوة ضمير جراء المتاعب التي يعانيها المواطنون ومن ضمنهم بيئته الحاضنة، أم لها علاقة بما يحكى عن إنهيار مالي سيشهده البلد إذا ما إستمرت الأمور على ما هي عليه وبالتالي فالإنهيار سيطال الجميع؟ أم أن الموضوع برمته هو جزء من الصراع السياسي في البلد وتصفية الحسابات مع بعض الخصوم و”ترهيب” البعض الآخر؟

كل هذه التساؤلات تكتسب مشروعيتها من الممارسة السياسية لحزب الله وحلفائه على مدى السنين الماضية بحيث أن سياسة الحزب كانت ولا تزال قائمة على مبدأ ما لنا هو لنا وحدنا، وما لكم هو لنا ولكم، فهل يريد حزب الله تطبيق هذه السياسة اليوم في المجال الإقتصادي والتعيينات الإدارية وفي كل مناحي الحياة في البلد أولا ليحمي حصته من الكعكة وثانيا لتقاسم المغانم مع بقية الأطراف بحيث تكون المعركة بهدف محاصصة الفساد لا مكافحته؟ ما يدعو لكل هذه التساؤلات هو أن المعركة المفتوحة ضد الفساد ركزت على شخص واحد هو الرئيس فؤاد السنيورة وما يمثله من خط سياسي، ولم تستهدف أحدا من المقربين للحزب سواء في الثنائي الشيعي أم في محيطه السياسي مع أن رائحة الفساد والفاسدين في هذا المحيط تزكم الأنوف أقلها ما يحصل من صراع في البلديات الإئتلافية في الجنوب وهي صراعات على المغانم وليست صراعات سياسية او حزبية، وكذلك موضوع سرقة المشاعات في الجنوب وهو ملف أثير أكثر من مرة ولم يتخذ فيه أي إجراء ولو بالحد الأدنى المطلوب ألا وهو التحقيق في الأمر وغيرها وغيرها من القضايا على مستوى البلد بأكمله.

اقرأ أيضاً: لا لحماية الفاسدين الحزبيين في الشرقية

من هنا يبدو الموضوع في جانب منه هو تصفية حسابات سياسية، ومن جانب آخر نوع من المطالبة بالمحاصصة وتقاسم العائدات تعويضا له عن إنقطاع أو تراجع الدعم الإيراني، وحماية له من العقوبات التي يبدو من التطورات الحاصلة في المنطقة أنها إلى تصاعد. رب قائل يقول قد تكون كل هذه الاسباب مجتمعة السبب في هذا الحراك فما العيب في ذلك إذا كان الأمر سيؤدي فعلا إلى مكافحة الفساد أو الحد منه على أقل تقدير؟

الجواب هو بأن مكافحة الفساد الحقيقية تكون بالإنضواء فعلا لا قولا تحت مظلة الدولة وتقويتها ككيان ومؤسسات وإبعاد الصراع السياسي اليومي عنها وتركها تعمل بحرية دون تدخلات وضغوطات، ورفع الحماية السياسية والطائفية والمذهبية عن الفاسدين مهما علت رتبهم ومكانتهم في أحزابهم أو طوائفهم، وأن لا نخجل من الإعتراف بوجود فاسد في صفوف أي حزب أو تيار بل بالعكس فهذه الممارسة تضفي على هذا الطرف مصداقية لأننا لا نعيش وسط قديسين بل ما نحن سوى بشر نصيب ونخطأ وهذا الكلام ينطبق على كل الأطراف السياسية في البلد وليس فقط على حزب الله.

اقرأ أيضاً: فساد مقنع ….

في الختام نقول أن ما من إنسان سوي يرفض مكافحة الفساد ولكن الطريق إلى المكافحة يمر بالشفافية والعدل في التعاطي وعدم الكيل بمكيالين، ومكافحة الفساد تبدأ بوقفه أولا عبر سياسة حازمة وقرارات شفافة تقوم على تطهير الإدارة من الفاسدين المعششين فيها والذين أزعم بأنهم معروفون للقاصي والداني فبلدنا صغير والناس تعرف بعضها، ومن ثم محاسبة الفاسدين الذين هم خارج السلطة والإدارة اليوم ، هكذا نكون قد بدأنا بشكل صحيح إذ لا طائل ولا فائدة تذكر من محاسبة المسؤولين السابقين فقط دون وقف مزاريب الهدر المستمرة، وما حكاية السفارة في لندن إلا جزء يسير منها ومثل فاقع على عدم الجدية في معالجة ملف الفساد بكل جدية وإهتمام.

آخر تحديث: 22 مارس، 2019 1:43 م

مقالات تهمك >>