رئيسة وزراء نيوزيلندا.. نموذج الحاكم الإنسان

مجزرة نيوزيلندا التي إرتكبها إرهابي متطرف عرقيا ودينيا ، كانت على لا إنسانيتها مناسبة ليكتشف العالم الإسلامي منه والعربي على وجه الخصوص ، إنسانية سيدة حاكمة في بلد بعيد نسبيا لم يكن يوما في صدارة الأحداث السياسية في العالم .

هذه السيدة هي “جاسيندا أردين” رئيسة وزراء نيوزيلندا التي ظهرت قمة في المسؤولية السياسية كحاكمة وقمة في الإنسانية كإنسانة بدا تعاطفها مع الضحايا حقيقيا لا زيف فيه ولا إدعاء ولا تمثيل بغية التقرب سياسيا من هذه الجالية أو تلك.

إذ كان تصرفها على المستويين السياسي والأخلاقي قمة في الرقي الحضاري من حيث مسارعتها لإحتضان أهالي الضحايا ومواساتهم ومن حيث موقفها الصارم من الأفكار المتطرفة والعنصرية الرافضة للآخر المختلف، في تصرف وممارسة تذكرنا بالحديث الشريف، الدين المعاملة.

هذا في الوقت الذي كان فيه بعض العرب والمسلمين وأمام هذه الكارثة يجتهدون بأن يستثمروا فيها سياسيا ودينيا وحتى عنصريا كل حسب أهوائه وأهدافه بعيداً عن الجانب الإنساني في الموضوع الذي يمس عائلات بأكملها، حيث لم ير فيهم هذا البعض إلا أنهم مسلمون قتلوا وهم يؤدون صلاتهم على يد إرهابي ” مسيحي”.

اقرأ أيضاً: مجزرة نيوزلندا: المسلمون يدفعون جزاء التحريض والإدانة

فالبعض – وهذا قد يكون مفهوما – حاول أن يأخذ هذه الجريمة ليثبت بأن الإرهاب لا دين له وهو ليس فقط عربيا ولا إسلامياً، وأن الدين والعرق لا علاقة له بالإرهاب وأن المعضلة تكمن في الأفكار المتطرفة ذاتها من أي جهة أتت.

البعض الآخر راح يستثمر فيها للتحريض والقول بأن الإسلام هو المستهدف والمسلمون هم الضحايا وراح يعمم ويدعو للتفرقة ونبذ الآخر والإنعزالية، في مماهاة واضحة مع الإرهابي الذي إرتكب المجزرة ولكن في الإتجاه المعاكس.

هناك طرف ثالث وهو بعض العلمانيين المتطرفين الملحدين الذين يرون أن المسلمين أنفسهم – في تعميم خبيث – هم السبب في هذه المجزرة جراء عدم إندماجهم في المجتمع الغربي وكأن الإندماج يعني أن يتخلى المرء عن بعض خصوصياته وتقاليده ودينه، ما يؤدي بنظرهم ببعض العنصريين كي يرتكبوا أفعالا كهذه كردة فعل على ما يعتبرونه غزوا لبلادهم وتغييرا لهويتها.

أما البعض الرابع وربما الأسوأ على الإطلاق فهو الذي كان كل همه أن يثبت بأن الدين المسيحي أيضا قد يفرز إرهابيين، وأنه يمكن أن يكون دين عنف وأن الأمر لا يقتصر على دين الإسلام ، وبذلك برأيه تتساوى الرؤوس في تأكيد صريح وواضح على أن الدين الإسلامي دين عنف وما هذا إلا لتثبيت نظريته وأفكاره المريضة البعيدة كل البعد عن جوهر الأديان والإنسانية.

إن ما أظهرته السيدة جاسيندا أردين من إنسانية ورقي لهو الرد البليغ على كل متطرف ومتعصب إلى أي دين أو طائفة أو عرق إنتمى، فبالمحبة وحدها تبنى المجتمعات، والممارسات هي التي تحدد مدى إنسانية الإنسان، وليس ما يحمله من عقائد دينية هي في النهاية فرضت عليه بحكم الولادة ولم يخترها أم عقائد إيديولوجية وسياسية قابلة للتغيير والمراجعة.

اقرأ أيضاً: «فيينا» و«بلاط الشهداء»: التاريخ يحضر في مجزرة نيوزلندا

هذا في الإنسانية، أما في السياسة فقد لجأت إلى مجلس النواب وطلبت مراجعة القوانين التي تسمح بحمل السلاح للمواطنين، وليس كما يحصل عندنا غالبا بأن تستغل السلطة هذه الأحداث لتبسط حالة الطوارئ وتشدد قبضتها على المجتمع وترغي وتزبد وتتخطى القوانين وتهدد بالقوة الغاشمة كما فعل مرة أحد الرؤساء العرب وكل هذا بحجة الإرهاب الذي هو نتيجة ممارساتهم في الاصل ونتيجة تسويقهم للأفكار المتطرفة وطنيا التي يستعملونها ضد خصومهم السياسيين فتولد تطرفا دينيا، ليصطدم التطرفان ويولدان حروبا لا تنتهي. نقول هذا ونحن ندرك وعلى وعي بالظروف المختلفة والثقافات المتباينة لكل أمة، ولكن هذا لا يمنعنا من ممارسة إنسانيتنا، ولا يثنينا عن النظر إلى الأمور نظرة إعتدال وتسامح فكما أن الإرهاب لا دين له ولا جنسية، كذلك الإنسانية هي لكل الناس وسمة من سمات الإنسان الحق الذي خلقه الله بأحسن تقويم وجعله خليفة له في الأرض ليبنيها بالمحبة والسلام.

إن الفكر المتطرف بجميع تلاوينه الدينية والسياسية والقومية هو الذي يولد الإرهاب والإرهاب المضاد، وهو من يسعى لتخريب المجتمعات وتدميرها عبر التحريض وغسل دماغ البسطاء من الناس مستغلين إيمانهم بقضايا دينية أو وطنية وضعف مستواهم الثقافي وفي بعض الأحيان الإجتماعي في محاولة للسيطرة وتأمين مصالح أطراف وشركات ودول لديها فائض من القوة تحاول صرفه وإستثماره بأرواح الأبرياء من الناس العاديين المسالمين في كل أنحاء العالم.

آخر تحديث: 20 مارس، 2019 3:16 م

مقالات تهمك >>