«فيينا» و«بلاط الشهداء»: التاريخ يحضر في مجزرة نيوزلندا

حلّت كتابات خطها سفاح نيوزلندا على سلاحه الذي قتل به اكثر من اربعين مسلم مسألة الدافع والسبب الذي اقدم من اجله على تنفيذ مجزرته، ودلالات هذه العبارات التاريخية تؤشر كذلك على العمق التاريخي للصراع الاسلامي المسيحي الذي لا يجوز بعد اليوم تجاوزه وتجاهله.

تشير العبارات التي كتبها على اسلحته برينتون تارانت، منفذ مجزرة مسجد النور في نيوزيلندا، إلى حقد دفين متجذر ومتأثر بالتاريخ الدموي الحافل بالمعارك بين العرب والمسلمين والغرب المسيحي.

واهم محطات تلك المعارك التاريخية هي فتح الاندلس عام 711 م، وفتح القسطنطينية عام 1453م، مقابل الحملات الصليبية التي شهدتها بلادنا ابتداء من عام 1100م، واستمرت لحوالي قرنين من الزمن.

فمن بين العبارات التي كتبها منفذ المجزرة على سلاحه “التركي الفجّ 1683 فيينا”؛ في إشارة إلى معركة فيينا التي خسرتها الدولة العثمانية ومثلت نهاية توسعها في أوروبا.

أما عبارة “تور 732” فتشير إلى معركة دارت في أكتوبر/تشرين الأول 732م في موقع بين مدينتي بواتييه وتور الفرنسيتين، وتعرف أيضا باسم “بلاط الشهداء” وكانت بين المسلمين تحت لواء الدولة الأموية بقيادة والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي من جهة، وقوات الفرنجة والبورغنديين بقيادة شارل مارتل من جهة أخرى، وانتهت بانتصار قوات الفرنجة وانسحاب جيش المسلمين بعد مقتل قائده عبد الرحمن الغافقي.

انه الصراع التاريخي الاسلامي – المسيحي الذي يحضر بكل شراسته الى نيوزلندا فيفتك بالمسلمين على أيدي متعصب مسيحي قرر الثأر من غزوات المسلمين التاريخية لبلاده الاصلية في اوروبا منذ عهد حكم الامويين والعثمانيين قبل مئات السنين، تماما كما فعل اسامة بن لادن زعيم القاعدة الذي اطلق اسم”الصليبيين”على دول الغرب كمصطلح تاريخي يبرر أمره لانتحارييه الجويين بتفجير برجي نيويورك عام 2001.

انها ردّة دموية للتاريخ، وسوء التفاهم التاريخي عينه الذي لم يسوَّ بعد بين العالمين الاسلامي والمسيحي، فما زال المسلمون يمجدون ما يسمونها بالفتوحات الاسلامية، في حين ان المؤرخين المسيحيين يدعونها “غزوات”، تماما كما يستحضر الاسلاميون في أدبياتهم التعبوية كل يوم عبارة “الغزو الصليبي” لإسقاطه على عصرنا الحالي ممثلا بما يسمونه “الاطماع الغربية” في بلادنا، و”المؤامرة المستمرة” ضدّ العرب والمسلمين.

اقرا ايضا: مذبحة في نيوزيلندا: مقتل 40 وإصابة أكثر من 20 في هجوم على مسجدين

ان ما يجري يظهر اننا نشهد “صحوة مسيحية” استيقظت بعد طول سبات رغم سيادة الدول العلمانية الديموقراطية في بلدان اوروبا واميركا منذ قرون، وذلك مقابل “الصحوة الاسلامية” التي بدأت في دول العرب والمسلمين نهاية القرن العشرين وما زالت آثارها المدمرة تفتك في بلادنا حتى يومنا هذا.

ان اخطر ما يمرّ به العالم الغربي اليوم هو الردّة والانكفاء عن الديموقراطية، وهي بدأت مع الضربة التي وجهها الرئيس الاميركي دونالد ترامب للعولمة واعادة الاعتبار للوطنية الاميركية، وان اميركا للأميركيين، ليجتاح بعدها اليمين دول اميركا اللاتينية المسيحية، وتنتعش التيارات اليمينية في اوروبا ردا على هجرة المسلمين وتغلغلهم فيها.

وكما ولّدت الصحوة الاسلامية “الارهاب الاسلامي” فان الصحوة المسيحية لا بد ان تولّد “الارهاب المسيحي”، لأن صراع الأديان والأعراق يصبح حتميا عقب الصحوات الطائفية والإثنية.

سبق مجزرة نيوزلندا التي نفذها اليوم مسيحي متطرف، مجازر عديدة نفذها مسلمون متطرفون في بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرها، ولمّا اختار السفاح برينتون تارانت ان يصوّر مجزرته الوحشية ويبثها مباشرة متباهيا بقتله للمسلمين العزل وهم يصلون، فان ما كتبه على اسلحته من شعارات تاريخية تذكر بحصار العثمانيين لفيينا وبمعركة بلاط الشهداء في الأندلس باسبانيا وغيرها،لا يجب ان نأخذها فقط من زاوية الحقد التاريخي، بل من زاوية سوء التفاهم التاريخي الذي ما زال مستمرا حتى اليوم بين الشرق والغرب، والذي يحتاج الى صحوة فكرية تمهد لعقد مصالحة تاريخية، تنهي ما مضى من تاريخ دموي راح ضحيته عشرات الآلاف بين غزوات أو فتوحات ما زالت اثارها وندوبها ناتئة حتى اليوم.

وفي الخلاصة،كشف لنا السفاح برينتون تارانت بكتاباته النارية على سلاحه الآثم عن القصد والدافع لجريمته المروعة، وهي كراهيته التاريخية للمسلمين، ولكنه من دون قصد كشف عن العمق العقائدي التاريخي للصراع المتجدد بين المسلمين والمسيحيين الذي لا يجوز بعد اليوم تجاوزه وتجاهله.

آخر تحديث: 17 مارس، 2019 1:18 م

مقالات تهمك >>