دولة ضمن الدويلة

الاسبوع الماضي، نَشرتُ على حسابي على facebook  صورةً طلبت فيها مساعدة أب من "اصحاب الهمم" لإيجاد فرصة عمل. تواصل معي صديقي "فرح" الذي يدير عمله الصغير الخاص في مجال المقاولات وتعهدات البناء، من أجل الاستفسار أكثر عن وضع هذا الأب وعن المهام التي ممكن ان تُوكل اليه.

و”من حديث لـ حديث” عن التجارة والأعمال ووضع البلد المُزري، أخبرني عن حادثةٍ حصلت معه منذ فترة وهي تُؤكد المؤكَّد.

فبعد أن التزم ورشةً لتمديد الكهرباء فيها، نزل مع عمّاله الى أحد كبار المستوردين في منطقة “الدكوانة” لشراء البضائع اللازمة وتحميلها. قام التّاجر بتزويدهم بلائحة الاسعار للبضائع المطلوبة والتي بلغت قيمتها ما يقارب 4700 $. عندها اقترح احد العمّال على صديقي، ان يقوم (اي العامل) بجلب عرضٍ اخر، من تاجرٍ قرب منزله في “الضاحية الجنوبية” وبسعرٍ افضل بكثير.

لم يأخد صديقي هذا الكلام على محمل الجدِّ كثيراً، لانّه يثق بتاجر “الدكوانة”. ولكن ضيق الأحوال والرّغبة في التّوفير، دفعت صديقي بقبول الاقتراح. فانصرف “فرح” إلى مكتبه وذهب العامل الى وجهته.

كان قد مرّ حوالي الساعة حين رنّ هاتف “فرح”.
“معلم، انا لقيت ذات البضاعة ب1450 $ هون”.
جنّ جنون “فرح”. ظنَّ للوهلة الأولى أنّ هذه البضائع رخصية لأنّها تقليد. لكنَّ المتصل اكّد أنّها أصليّة 100 %.
“لاقيني تحت “جسر الكولا” بعد 50 دقيقة لنروح عند الزلمة”.

وقبل التوجّه الى “الضاحية” عرّج “فرح” ومن فورة غضبه الى صالة تاجر “الدكوانة” ليلومه على غِشِّه بالأسعار وهو زبونٌ وفيٌ وقديم لديه. التاجر أقسم بأولاده أنّه قد باعه البضائع بسعر رأس المال، مع ربحٍ زهيدٍ زهيدٍ جداً، من أجل تصريف بضائعه المكدَّسة في المستودعات.

عرضَ التّاجر لـ”فرح” الفواتير التي جاء بها بالبضائع. وحين علم هذا التاجر الى اين يتوجّه “فرح”، أوصاه أن يجلب له بضائع من تاجر “الضاحية” لانها أقلُّ كلفةً!!!!

إنّها باختصار، دولة حزب الله.

نعم يا سادة، لا جمرك ولا ضرائب في هذه الدولة كباقي “دويلة لبنان”.

نشر موقع IMLebanon.org  مطلع شهر آذار 2017 سلسلة تحقيقات تتضمَّن أدلّةً ومستنداتٍ ووقائعَ، عن ادخال بعض الشركات اجهزة خلويّة أصيلة عبر المطار (الوحيد بطبيعة الحال نظراً لسياسة الاحتكار وايُّ مطلبٍ بمطار آخر يُتَّهم فوراً بالعمالة)، دون الخضوع للضريبة الجُمركية الحقيقيّة أي أنَّ هذه الشَّركات تحصل على البضائع، بأقلِّ من 30 ولغاية 50 % من السعر الّذي يسدّده المستوردين الباقين.

كلُّ هذا يحصل في كلِّ المجالات التجاريّة وعلى مرأى ومسمع موظّفي “دويلة لبنان”، المدنيين منهم وغير المدنيين!.

هناك قسمٌ منهم أُدخِلَ إلى الوظيفة من أجل هذا الغاية بالتّحديد، ليكون مُسهَّلَاً لكلِّ الأعمال غير الشَّرعيّة وخدمةً لمصالحَ “دولة حزب الله” ومشروعها الاكبر. هناك من تعرّضَ للتّرهيب والتّرغيب، فدخل اللعبة “لان بدّو يحمي راسو ويعيّش عيلتو”. وهناك نوعٌ ثالثٌ يقفُ على الحياد مُتفرجّاً لا حول له ولا قوّة، لأنّه يعرف جيّداً مخاطر الاعتراض والتّبليغ والقيام بأبسط واجباته الوظيفيّة والضميريّة.

إقرأ أيضاً: علي الأمين في الذكرى السنوية لرمزي عيراني: ننشد الدولة لا الدويلة، والمؤسسات لا الميليشيات

لا يخفى على أحد من اللّبنانيين وكلِّ من يتابع الشأن اللبناني في الخارج، ما حصل في 7 ايار من العام 2008.
الحكومة اللّبنانية تأخذ قرارين رسميّين شرعيّين، الأوّل يقضي بتغيير ضابط أمني في المطار والثاني بوضع حدٍّ لشبكة الإتصال الخاصة التّابعة لحزب الله.
واعتراضاً على هذين القرارين، تقتحم ميليشيا حزب الله وحلفائها العاصمة بيروت، حيث القرار السّياسي، يُرهبون النّاس واهل السّياسة، يحتلّون الشوارع، ويقتلون ما يقارب 86 اعزل في منازلهم. كُلُّ هذا لتعطيل هذين القرارين ولكي يبقوا مسيطرين على المرافق العامة، يُدخِلون ويُخرِجون ما يشاؤون من سلاح ومواد تجارية وافراد من مختلف الجنسيات. حتى شبكة الاتصال الخاصّة بهم والتي يتذرّعون انّها من أجل حماية “المقاومة”، يستعلمونها كدخلٍ اساسيٍّ لهم عبر الاتّصالات الخارجيّة غير الشّرعية والتي تحرم خزينة “دويلة لبنان” ملايين الدولارات شهرياً من سنوات طويلة… مئة خطّ احمر تحت “ملايين” و”شهرياً”!!

ولا يخفى على أحد ايضًا، كيف وضعت “الدولة” معادلة “هذا المرشّح أو لا أحد” وبالتالي التلميح بعدم الاستقرار، من أجل إيصال مرشّحها إلى سدّة رئاسة “الدويلة”… ونجحت!

هل من داعٍ أن أتحدّث عن العقوبات التي يتحمّلها ويستحملها مواطنو “دويلة لبنان” بسبب نشاطات “دولة حزب الله” في الداخل والخارج؟
هل من داعٍ من الكلام عن تعدّيهم على شبكة الكهرباء وشبه انعدام الجباية في مناطقهم، ما يُكبد لبنان خسائر بمليار دولار كل سنة؟ نعم نعم مليار وليس مليون!
هل تسمحون لي أن اقول لكم، أنّ كل هذا من أجل ان يضعونا جميعاً أمام خيارٍ واحدٍ وهو جلب الطاقة والسلاح وباقي الموارد من إيران، ما يزيد نفوذها أكثر وأكثر في لبنان ؟

مهلاً قليلاً، عن أيِّ مقاومةٍ نتحدَّث هنا وعن أيِّ حمايةٍ للبنان نتكلّم !!
هل هذا الفساد والخراب والارهاب وكمُّ الافواه كلّه بطرق شرعيّة وغير شرعيّة، هو لخدمة لبنان أم لخدمة اعدائه ؟  ولمصلحة مَن توجد دورتين اقتصادتين منفصلتين متنافستين للبنان ؟ خدمةً لمن تُستعمل ادارات ومرافق وموظفي القطاع العام لأجل مشروعٍ سياسيٍ خارجيٍ ضيّقٍ ؟

 

منذ انتهاء الحرب الأهليّة سنة 1990 ولغاية اليوم ومع اقتراب الدين العام شفير الـ90 مليار دولار، لم يشهد لبنان أيَّ عملية تطهير فسادٍ حقيقيّة في أيِّ مستوًى كان، تقضي على مكامن السّرقة والهدر، ما عدا قضيّة الوزير السَّابق شاهي برسوميان سنة 1999 والتي صدر حكم البراءة فيها لاحقاً

اليوم ومع شروط مكافحة الفساد التي ألزمت بها الدول المانحة في مؤتمر “سيدر” لبنان ، كلَّ الاطراف السياسية وبالاخص قيادة ونوّاب حزب الله، تتنطح على المنابر بفتح ملفّات قديمةٍ عن الفساد والسَّرقات.
ألم يكونوا يعلمون بهذه الملفّات من قبل ؟ ألا يعرفون أنَّ القضاء مشلولٌ ومعطلٌ لأنّه غيرُ مستقلٍّ ولا يزال تحت وصاية أهل السّلطة، الذين من المفترض ان يُحاسبوا من أهل القانون ؟

يحاول الجميع في لبنان الضحك على المجتمع الدولي تحت عنوان مكافحة الفساد، لغشِّ بعض المانحيين ليصرِفوا لنا هِباتٍ من هنا وقروضاً جديدة من هناك. ولكن في الحقيقة، كل هذا التبارز الإعلامي هو لذرِّ الرَّماد في عيون الخارج، حيث الهدف الحقيقي هو الابتزاز وفق قاعدة : نستر على عيوبكم فتَستِروا على فسادنا وسلاحنا غير الشرعي…

إقرأ أيضاً: «لقاء سيدة الجبل»: معركة الفساد الحقيقية هي معركة إزالة الدويلة

أمّا الشّعب اللبناني؟ عفوا، الشّعوب اللّبنانية… فبدل ان تعي ألّا تصفّق للفاسد إذا لم تستطيع منعه، تقوم بالدفاع الاعمى عن زعيم الطائفة الذي يعيش على أوجاعها ومن اموالها وفق منطق من منطقين : أنت سياديٌّ، إفعل ما شئت أم أنت مقاومٌ، إفعل ما يحلو لك.

 

آخر تحديث: 12 مارس، 2019 11:23 ص

مقالات تهمك >>