كمال خرازي متذاكياً

استضاف مركز الجزيرة للدراسات الأسبوع الماضي كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني السابق ورئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية حالياً. خرازي المعتدل والهادىء الذي كان وزير خارجية وصوت حجة الإسلام – والنصارى – الرئيس السابق محمد خاتمي، بدا وكأنه يتبنّى ويدافع أو يتساوق في الحد الأدنى مع سياسات المتطرفين الذين نكّلوا بخاتمي ووصفهم الراحل هاشمي رفسنجاني أحد قادة الثورة ومؤسسي الجمهورية الإسلامية بأنهم لا يقلون خطراً عن التكفيرين، والذي قال الرئيس الحالي حسن روحاني شخصياً أنه هزمهم في انتخابات 2013 مع توصيف فوزه بأنه انتصار للمعتدلين على المتطرفين.

خرازي طرح في محاضرته عن التعاون الإقليمي، الآفاق والتحديات، ثلاث نقاط رئيسية الأولى تتعلق بما أسماه نفوذ إيران في أربع دول عربية زاعماً أن هذا تحقق بالقوة الناعمة كون إيران ملهمة الآخرين، والثانية دعوته دول المنطقة للحوار والوصول إلى قرار جماعي حول السلام والأمن بعيداً عن التدخل الأجنبي، والثالثة كانت انتقاده لسياسة التخويف من إيران التي أدت إلى إهدار ثروات الدول العربية، وكذلك تعزيز العلاقات مع إسرائيل.

عرف كمال خرازي عندما عمل كوزير للخارجية منذ عشرين عاماً تقريباً بالهدوء والاعتدال ضمن سياسة الانفتاح التي اتبعها رئيسه محمد خاتمي. وكنت التقيته شخصياً ضمن وفد فلسطيني في لقاء مغلق على هامش أحد المؤتمرات الداعمة للانتفاضة، وطرح خلاله نفس اللغة الهادئة التي اعتدنا على سماعها منه علناً، دون أي تناقض أو ازدواجية، عارضاً نفس مقاربات خاتمي عن دعم وحدة الشعب الفسطيني، وتأييد الخيار الذي يتفق عليه الفلسطينيون، مع استعداد لمساعدة الشعب المظلوم في نضاله العادل من أجل استرداد حقوقه.

أذكر كذلك أنه دافع عن سياسة الانفتاح لخاتمي تجاه الدول العربية والخليجية، رغم أن أحد الحضور استخدم أكثر من مرّة وبشكل فظّ عبارة أصدقائك السعوديين في مخاطبته للوزير الهادىء والرصين.

هذه المقاربة بدت حاضرة شكلاً فقط في محاضرة خرازي الأخيرة التي شهدت في جوهرها ترديداً لخطاب المذهبين القوميين المتطرفين المتحكمين الآن بالسياسة الإيرانية الدموية والإجرامية في المنطقة.

بدا وزير خارجية محمد خاتمي المعارض المهمش حالياً، بينما زملاؤه الآخرون في السجن والإقامة الجبرية – منفصلاً عن الواقع، وهو يتحدث عن منطق رؤيته للسياسة الإيرانية من زاوية رئيسه السابق متجاهلاً تماماً حديث مسؤول إيراني رسمي – يونس خالصي مستشار الرئيس روحاني – عن أمبراطورية فارسية تحتل أربعة عواصم عربية من بينها بغداد التي اعتبرها عاصمة لأمبراطوريته الوهمية والدموية.

النفوذ الإيراني الذي تحدث عنه خرازي لم يتحقق قطعاً بالقوة الناعمة والالهام وإنما بالقوة الخشنة الدموية عبر التدخلات الفظة فى شؤون الدول العربية وتشكيل ورعاية ميليشيات طائفية مذهبية لدعم الانقلابات، وأنظمة الاستبداد في قمعها للثائرين المعارصين لها، هي أي إيران جلبت شذاذ الآفاق الى سوريا لحماية نظام بشار الأسد وتبجح أكثر من مسؤول إيراني بدورهم في حماية بشار ومنعه، حتى من الاستقالة والرحيل استجابة لضغط الثورة مطالبات الشارع.

في العراق قال مسؤول إيراني سابق – السفير والمستشار فى وزارة الخارجية محمد علي سبحاني- إن سياسات نوري المالكي الطائفية المذهبية هى التي أوجدت تنظيم داعش وخلقت البيئة الحاضنة لها، علماً أن المالكي تمتع بدعم وتأييد ايران لسنوات طويلة وهو سلم مدينة الموصل عن عمد للتنظيم وبأوامر ايرانية وكان قمع انتفاضة أهل المدينة ومحيطها ضد نظامه الاستبدادي الفاسد الخاضع لوصاية وحماية الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

في اليمن رغم أن السعودية والإمارات تتحملان مسؤولية أساسية عن وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه، إلا أن إيران لم تتورع عن دعم انقلاب الحوثيين وفلول النظام السابق ضد الثورة ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الجامع، وساهمت مباشرة فى تقوية الانقلابيين ومدهم بالسلاح وبالتالي إطالة أمد الحرب الأهلية، علماً أن هؤلاء ارتكبوا جرائم موصوفة بخبرات إيرانية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

لبنان بات كذلك تحت الوصاية الايرانية شبه التامة، وعرضة للأزمات على كل المستويات بعدما كسرت تلك الوصاية التوازنات السياسية والطائفية الداخلية الهشة اصلاً، وأوصلت البلد الى حافة الهاوية بالمعنى الحقيق للكلمة وعلى عدة مستويات أيضاً.

في سياق القوة الناعمة الذى تحدث عنه خرازي، فإن قتل الروائي العراقي علاء مشذوب منذ أيام فقط لأنه انتقد الخميني لا يمكن أن يندرج تحت هذا المفهوم، بينما تم اعتقال أحد التابعين لايران فقط لأنه أفصح صراحة عن الأسباب الحقيقبة لاغتيال ابن عمه الروائي مشذوب.

أما حديث خرازي الوهمي أيضاً عن الحوار بعيداً عن التدخل الأجنبي، فهو منفصل تماماً ومتناقض مع الواقع حيث أن إيران ساعدت الاحتلال الأمريكي على غزو، واحتلال بلدين مسلمين، وقدمت حتى خرائط وتسهيلات لتسهيل قصف أفغانستان، وكانت شريكة للاحتلال الأمريكي في كل ما فعله في العراق من تدمير ونهب لثرواته، وبعد فشلها في حماية نظام الأسد استنجدت بروسيا لاحتلال سوريا من اجل الحفاظ عليه ومنع سقوطه.

في النقطة الأخيرة، المتعلقة بهدر الثروات والعلاقات مع إسرائيل لا بأس من التذكير بهدر الثروات الإيرانية في عشر سنوات-2005-2015- نتيجة الحصار والسياسات الخاطئة والذى وصل إلى تريليون دولار تقريباً، وعندما حضر الرئيس حسن روحاني إلى تركيا فى العام 2014 كان أحد أهداف زيارته طلب مساعدة السلطات التركية فى البحث عن 200 مليار دولار اختفت من عائدات تهريب وبيع النفط الإيراني بشكل غير رسمي وغير قانوني، بينما بلغت كلفة الاحتلال الإيراني لسوريا 16 مليار دولار على الأقل، و ومن هنا فإن إيران هي آخر من يتحدث عن هدر الثورات، علماً أن كلامه عن هدر الثروات العربية صحيح، هو حق، حتى لو أريد به باطل، وهو نتيجة الاستبداد والفساد والسياسات الخاطئة، وسابق بسنوات بل لعقود الخلافات العربية مع إيران التي باتت تمتلك الآن نظام كبقية الأنظمة العربية الاستبدادية الفاسدة الفاشلة التي تنهب وتهدر ثروات شعوبها.

وفيما يخص العلاقات مع إسرائيل، فهي مرفوضة ولا يمكن قبولها أو تبريرها، لكن لا يمكن كذلك استبعاد السياق السياسي لها. فمنذ أيام فقط وبالتزامن مع محاضرة خرازي تحدث نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني علي مطهري عن السياسات المذهبية الإيرانية الاقليمية الخاطئة التي ساهمت في التقارب العربي الإسرائيلي الأخير.

في السياق نفسه، فإن من تساوق تماهي تواطأ مع الشيطان الأكبر لا يحق له أبداً انتقاد من يفعل ذلك مع الشيطان الأصغر كون طهران، تآمرت علناً مع أمريكا لتدمير بلدين مسلمين واستنجدت بالاحتلال الروسي لتدمير سوريا ونهب خيراتها أيضاً.

عموماً وفى أحسن الأحوال بدا خرازي متذاكياً متجاهلاً عورات السياسية الإيرانية الدموية والاجرامية التي يقودها المتطرفون المتسلطون غير المنتخبين فى بلاده ، وفى أسوأ الاحوال فهو لم يمتلك القدرة والشجاعة لانتقادها أو على الاقل التعاطى معها كما هى فعلاً بعيداً عن الكلام الديبلوماسي المنمق والجميل، ولكن المنفصل عن الواقع بل الوقائع الدموية التي فرضتها ايران في العالم العربي.

 

إقرأ أيضاً: جعجع: هذه ليست حكومة «حزب الله» والعروض الإيرانية دعائية

آخر تحديث: 18 فبراير، 2019 12:54 م

مقالات تهمك >>