‎العرب بين مؤتمرين…

مؤتمران متزامنان عقدا بالأمس، الأول في وارسو بزعامة أميركا وحضرته أكثر من 60 دولة والهدف المعلن منه هو بحث كيفية إرساء السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط وهو العنوان العريض.

أما العنوان الفرعي وهو الأهم بالحقيقة والهدف الفعلي للمؤتمر كما يقال، هو كيفية مواجهة إيران وتمددها بالمنطقة. الثاني عقد في سوتشي بروسيا وهو تتمة لمؤتمرات سابقة كانت قد عقدت بين الدول الثلاث روسيا، تركيا وإيران والهدف منه التنسيق بينها بالنسبة للوضع السوري. في الشكل ما يلفت الإنتباه أن المؤتمرين يعقدان لمحاولة حل مشاكل منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي يعقدان فيه خارج هذه المنطقة.

وإذا كان مفهوما إنعقاد مؤتمر سوتشي في روسيا بإعتبار أنها “ماسكة” الأرض بسوريا وهي الدولة المقررة في الموضوع السوري، فالغريب إنعقاد المؤتمر الآخر الذي يضم بين حضوره حوالي عشر دول عربية بالإضافة للكيان الصهيوني في وارسو عاصمة بولندا والتي كانت فيما مضى مركزاً لـ”الهولوكوست” اليهودي كما يقال ما يطرح السؤال هل للمكان علاقة بمضمون المؤتمر ومحاولة “تعويض” اليهود عبر منح شرعية للوجود الصهيوني في فلسطين من خلال التطبيع ومن ثم صفقة القرن؟

اقرأ أيضاً: واشنطن: لبنان يعزل نفسه

هذا في الشكل، أما في المضمون فإن الملفت أن مؤتمر سوتشي المفروض أنه يبحث الأزمة السورية ينعقد بغياب أي طرف سوري او حتى عربي، الأمر الذي يبرز بوضوح الحالة التي وصل إليها العنصر العربي في المنطقة من ضعف وهوان وإستسلام للأمر الواقع الذي هو من صنع العرب أنفسهم.

كذلك الأمر بالنسبة لمؤتمر وارسو والذي يتخذ من مواجهة إيران غطاءً له بينما قد يكون الهدف الحقيقي منه هو محاولة تمرير صفقة القرن مع ما تعنيه من إنهاء للقضية الفلسطينية والتطبيع مع الكيان الصهيوني والذي لم يعد سراً على اية حال للأسف ولا عاد مدعاة للخجل والتستر عليه، فعندما نقول مشاكل الشرق الأوسط لا يمكننا تجاهل القضية الفلسطينية التي هي لب الصراع أو النزاع في المنطقة والتي عن طريقها ينفَذ كل طامح للسيطرة على المنطقة كإيران وغيرها من القوى الطامعة بخيرات هذه المنطقة . من هنا نقول أن مؤتمر وارسو يعقد بغياب فلسطيني وحضور عربي ضعيف سياسيا بحيث بدا وكأنه حضور من يتلقى المبادرات ولا يطرحها، وهو بالتالي كحضور الأيتام على مائدة اللئام، وهل هناك أكثر لؤما من نتنياهو وراعيته إدارة ترامب التي لم تترك على حلفائها الأقربين “ستر مغطى” كما يقول المثل الشعبي عبر تمنينهم بحمايتها لهم وتهديدها المستمر برفع هذه الحماية إن لم يدفعوا وذلك على لسان ترامب نفسه وأكثر من مرة.

اقرأ أيضاً: وهم التسليح الايراني للبنان!

في ما يخص لبنان لا بد من السؤال، هل أن موقف الحكومة اللبنانية الذي أعلنه وزير الخارجية جبران باسيل أثناء زيارة ظريف لبيروت بعدم حضور مؤتمر وارسو بحجة النأي بالنفس، كان موقفا خاطئا سياسيا ودبلوماسيا؟ ألم يكن من الأجدى الحضور ولو بتمثيل متدني المستوى بدل سياسة المقعد الفارغ، إذ أن البعض يرى أنه بغض النظر عن موقفنا من القضايا والأهداف التي يطرحها اللقاء، إلا أنه لا يمكن لبلد مثل لبنان هو كان دوما ولا يزال في عين العاصفة الإقليمية أن يتغيب عن هكذا مؤتمر مهم أقله بهدف معرفة ما يدور حولنا من أحداث ومخططات للمنطقة، وأن نطرح موقفنا وهواجسنا بكل صراحة أمام هذا المؤتمر إنطلاقا من وضع بلدنا المختلف عن أوضاع بلدان المنطقة الأخرى من حيث تركيبته الطائفية ونظامه المركب والذي يجعل منه بلدا قابلا للإهتزاز في أي لحظة. قد يقول قائل بأننا لا ولن نقدر على تغيير حرف في المؤتمر فما كتب قد كتب، وهذا صحيح ولكن في المقابل نكون على الأقل قد قمنا بواجبنا وأثبتنا حضورنا كدولة من دول المنطقة تدافع عن مصالح شعبها وتحاول أن تحفظ رأسها عندما تتصارع الدول.

آخر تحديث: 18 فبراير، 2019 3:59 م

مقالات تهمك >>