قصة وطن بلغ الشيخوخة في سن الـ 14!

لم يدرك سعد الحريري عندما كان يحمل على كتفه نعش والده بعد 14 شباط 2005 ان من كان محمولا هو جثمان وطن وليس جسد رجل هو رفيق الحريري. فمن هول الحدث ،ان مئات الالوف من اللبنانيين نزلوا في 14 آذار من ذلك العام ليرفضوا فكرة موت وطنهم فآمنوا لاعوام بعد ذلك انه لم يمت.واليوم،بعد 14 عاما على جريمة 14 شباط ،هل ما زال إيمان هؤلاء اللبنانيين في مكانه؟
إحتاج الجناة الذين سمّت المحكمة الدولية أسماءهم بصفتهم أفراد في “حزب الله” ، الى عبوة ضخمة من المتفجرات للتخلص من رفيق الحريري.لكن جورج زريق إحتاج بالامس ،الى بضعة قطرات من البنزين لكي يحرق جسده لتكون النتيجة ذاتها كما حصل في 14 شباط 2005.ولو أطلنا الحديث قليلا في المقارنة بين إغتيال رفيق الحريري وإنتحار جورج زريق ، لوجدنا ان رفيق الحريري لو بقيّ حيّا لكان جورج بقيّ كذلك.فمن غير المعقول ان يحرق الاخير نفسه بوجود رجل ذهب بنفسه الى ارجاء لبنان في ثمانينات القرن الماضي كي يمنح عشرات الالوف من الشابات والشبان فرصة الوصول الى أرقى جامعات العالم .
ماذا بقيّ من رفيق الحريري بعد 14 عاما على إغتياله؟ لا مغالاة في القول ان الكثير مما أنجزه الحريري ما زال باقيا.لكن هناك فارق بين ان تكون هذه الانجازات كتلك الاثار التي يحرص المصريون على حمايتها كما تركها الفراعنة قبل الاف الاعوام بإعتبارها مصدرا مهما للعملات الصعبة ينفقها ملايين السائحين من مختلف أنحاء العالم،وبين ان تكون الاثار كتلك التي عملت حركة طالبان في أفغانستان على تدميرها في باميان على رغم من تصنيفها جزءا من التراث العالمي.
هل نجازف إذا ما قلنا ان لبنان يعيش تجربة طالبان وليس تجربة أحفاد الفراعنة؟ ما يثير الفزع ان هناك الكثير من الشواهد التي تميل الكفة نحو التشبّه بطالبان ،هو ان ما تركه رفيق الحريري من إنجازات في العمران لم نتمكن حتى من توفير الصيانة لها كحال الاوتوسترادات والانفاق والمطار ومستشفى بيروت الجامعي وغيرها الكثير. لقد حلّ رفيق الحريري معضلة تصريف المجاري ،فقاموا اليوم بسدّها.وبنى محطات لتكرير مياه المجاري قبل ان تصل الى البحر ،فتركوها لتصدأ وتصبح خردة.وكاد الحريري ان يوفر الكهرباء لمدة 24 على 24 ،فعملوا على ان تصبح قضية مولدات خاصة يطاردها وزير الاقتصاد كما كانوا يطاردون السحرة في العصور الوسطى!

 

إقرأ أيضاً: الحريري يكتب افتتاحية «النهار»: أشعر بتلك الغصّة

قبل أيام كنت في زيارة خاصة لمرجع سابق ودار الحديث حول شؤون الاعلام وشجونه فتساءل:”هل من المعقول ان تقفل في عهد الرئيس ميشال عون ثلاث صحف أبوابها؟”وراح يعدّد امامي السبل التي يمكن أن توفّر الدعم للمؤسسات الاعلامية كي تجتاز أزمتها.من المؤكد لو ان رفيق الحريري حيّا لما حلّت بصحف لبنان النكبة التي تماثل نكبة فلسطين في القرن الماضي ،أو نكبة البرامكة في زمن هارون الرشيد!
ما هي التمنيات اليوم التي يمكن إطلاقها لحامل الامانة الرئيس سعد الحريري؟ هي بكل تأكيد التمنيات بالتوفيق في تجربته الثالثة في سدة الرئاسة الثالثة.وهناك من الخبراء من يؤكد ان مؤتمر “سيدر” سيوفر فرصة ثمينة لخروج لبنان من نفق أخطر الازمات التي ستجعله يترحم على مرحلة انهيار الليرة في ثمانينات القرن الماضي ما لم يجري تداركها ولو بحلول مؤلمة.فهل سينجح الحريري في قيادة مركب لبنان نحو شاطئ الامان المالي؟
ما أضيق العيش لولا فسحة الامل.هذه الحكمة يتمسك بها اليوم اللبنانيون المغلوبون على أمرهم ،كي لا يرون وطنهم يشيخ في سن ال 14 .

آخر تحديث: 14 فبراير، 2019 11:03 ص

مقالات تهمك >>