العرب في عصورهم الظلامية

يستحيل أن ينجح بعض العرب، ممن يغرقون في جهل مدقع، في تقديم أفضل من الطغاة الذين قدموهم على مدى القرن الماضي. ويستحيل أن ينجح هؤلاء العرب في إقامة حكومات تتمتع بأدنى معايير النزاهة والكفاءة اللازمة، بل إن أكثر ما يقوى عليه هؤلاء العرب هو انقلابات عسكرية، الأخ على أخيه، والابن على أبيه.

أقصى ما يمكن لهؤلاء العرب تقديمه هو أجهزة استخبارات تحصي على الناس أنفاسهم لحماية الحاكم من غضب المحكومين. وأقصى ما يمكن لهم تقديمه هو هجاء بعضهم البعض عبر الفضائيات، ورمي بعضهم البعض بالأحذية والنعال.

لن تقوم لدول هؤلاء العرب قائمة ما داموا يتنصلون من مسؤولية شقائهم، ويلقونها على الإمبريالية وإسرائيل وإيران وغيرها.

ولن تقوم قائمة لهؤلاء العرب لمعاناتهم من بلادة فكرية، ممزوجة بكسل ثقافي، وثرثرة بلا علم، وانعدام القراءة، التي يستعيض عنها غالبية العرب بمتابعة برامج الشتائم عبر الفضائيات، ويتبادلون رسائل واتساب، فيما هم “يشيّشون” (تدخين النرجيلة) لساعات وساعات.

الأسبوع الماضي، استغرقني وقت وأنا أجري أبحاثا عن سوق الطاقة وأهميتها. تصفحت بيانات وزارة الطاقة الأميركية، وإنتاج الطاقة في دول العالم وصادراتها، وطالعت عقود النفط والمناقصات الحكومية المتوفرة حول العالم. ثم خلصت إلى نتيجة مفادها أن الكسل الفكري لدى العرب يجعلهم ضحية سهلة لدعاية ديكتاتوريات العالم، مثل روسيا، التي تحاول الإيحاء لهم أن لدى واشنطن خططا خبيثة للاستيلاء على مصادر الطاقة، وأن هذه الخطط تقف خلف موقف الولايات المتحدة المعادي لرئيس فنزويلا المطعون بشرعيته نيكولاس مادورو.

اقرأ أيضاً: بغداد تنشد زمناً يليق ببلاد الرافدين

لكن خمسة في المئة من واردات أميركا السنوية للنفط تأتي من مادورو، الذي تشكل مبيعاته إلى أميركا 40 في المئة من عائداته، وهو ما يعني أنه إن كان النفط الفنزويلي هدف أميركا، فالأفضل بقاء مادورو رئيسا، إذ هو يضمن تدفقه إلى الشواطئ الأميركية. أما معارضة أميركا لمادورو فسببها سوء إدارته للبلاد بشكل بلغ التضخم فيها أكثر من 15 ألف في المئة، وهو ما ينذر بكارثة سكانية لا بد من أن ترسل مئات آلاف اللاجئين إلى أميركا، وهو ما يعني أن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في استقرار فنزويلا، لا في الحصول على نفطها، الذي تحصل عليها أصلا مع مادورو.

والحقيقة هي أن الطاقة حول العالم خسرت قيمتها الاستراتيجية منذ قرابة عقدين من الزمن أو أكثر، يوم تحولت إلى سلعة يمكن شراؤها في السوق العالمية، وعندما صارت الحكومات المنتجة والمصدرة للنفط تتسابق لبيع نفطها دوليا طمعا بعائداته.

ولزيادة العائدات، تحتاج الحكومات إلى شركات نفطية متفوقة تقنيا يمكنها الإنتاج بفاعلية أكبر، وهو ما لا تملكه شركات نفط حكومات روسيا والصين وإيران، بل تملكه شركات الطاقة الخاصة في أميركا وأوروبا، وهذه بدورها، لا تبحث عن أي مصادر نفط، بل تسعى لإنتاجه في دول مستقرة أمنيا، وهو ما يخفض سعر الإنتاج ويرفع من الأرباح، والدليل أن شركة إكسون الأميركية العملاقة تخلت عن عقد فازت به، إثر مناقصة حكومية، لإنتاج نفط حقل مجنون العراقي، بسبب تعثر الأمن والنسبة المرتفعة من العائدات التي طالبت بها بغداد.

كل هذه التفاصيل لا تعني غالبية العرب ممن قرأوا مقالي الأسبوع الماضي، وهم بدلا من أن يحاولوا تفنيد مطالعتي بالاستناد إلى ربط مختلف للأمور أو تقديم معلومات مختلفة، انهمكوا بالتعليق على اسمي: واحد يكتب أن اسم عبدالحسين كفر لأننا كلنا عبيد لله وحده، وآخر يكتب أن اسمي مستعار، إذ يستحيل على من يحمل اسما كاسمي أن يخرج عن تفكير الجماعة الشيعية التي تقودها إيران وتجبرها على كراهية أميركا. وذهبت فئة إلى تأليف أسماء تصرّ أنها اسمي الحقيقي، منها جوني أدامز، ويزيد ابن زياد، وحزقيل بن أليعازر وما إلى هناك من تفاهات لا تغني ولا تسمن.

وبين هبل الفتاوى الدينية حول اسمي والإصرار أن الاسم لا يتناسق مع رأيه، اتهامات بالعمالة لأميركا، وبعبادة الدولار، وشتائم مباشرة.

من أكثر من عشرات تعليقات للقراء، لم أقع على تعليق واحد يستأهل النقاش، أو يدفعني لإعادة النظر في خلاصتي، أو تحسينها. كما لم يقترح أحدهم كتابا، أو بحثا، أو مقالة تؤيد أو تعاكس ما قلته. فقط تفاهات واتهامات وتخوين. وهذا النوع من النقاش السخيف ليس على مواقع التواصل الاجتماعي وحدها، بل هو نفسه في عدد من جامعات العرب، وعلى فضائياتهم، وحتى في لقاءاتهم، التي تبلغ فيها الحزبية القبلية من الحدة مبلغ التخاصم والتشاتم.

حال هؤلاء العرب لا تستهدفني، إنما هي نموذج عن الثقافة السياسية والنقاش السائد بين عدد كبير من العرب؛ لا معلومات فيه، ولا تباين حول السياسات، مثلا حول جدوى وجود ميليشيات موازية للدولة ومستقلة عنها مثل في العراق ولبنان، أو حول جدوى تنصيب عبد الفتاح السيسي رئيسا برتبة ملك على مصر. هي عصور ظلام يعيشها العرب، ويتنصلون من مسؤوليتهم عن شقائهم بإلقائها على أميركا وإسرائيل وإيران، فهل يعي هؤلاء العرب حاجتهم الماسة للخروج من نفقهم المظلم؟

آخر تحديث: 12 فبراير، 2019 6:24 م

مقالات تهمك >>