علامات ومخاوف

كان علماء الدين أكثر علماً من رجال الدين الآن، وكان الأهل أقل علماً من الأهل الآن، ومع ذلك فقد كانت المسافة بين العلماء والناس أقصر.. والآن هي إلى مزيد من البعد أو القرب ولكن ليس على أساس المقاييس العلمية أو الروحية.. بل على مقاييس محض دنيوية، أليس لأن العالم إذا زاد علمه زادت قدرته على الاندماج والتوحد بالناس؟

اقرأ أيضاً: مكاشفات إيمانية

أليس التوحد بالخلق اقتراباً من الخالق؟ أليس لأن التماثل مع الناس مظهراً وأسلوب عيش ولو مع فارق معقول، هو المدخل إلى عقولهم وقلوبهم؟ أليس لأننا الآن نزداد غنى كلما ازداد أهلنا فقراً؟ إذن أين المثال والأمثولة والرمز؟ أين القدوة؟ أليس الغرق والاستغراق في الدنيا هو الذي قلل من علمناوجعله غير نافع لنا ولأهلنا؟ وهل المطلوب أن نهجر الدنيا ؟ ألم يكن بإمكاننا أن نختار عملاً آخر وعلماً آخر فيصبح حسابنا أهون؟ ألا نلاحظ أن أهلنا في الماضي كانوا أقل معرفة بتفاصيل الشريعة ولكنهم كانوا أكثر تقوى وطاعة ومحبة؟ ألا يستدعي كل ذلك أن نعيد النظر في دورنا وموقعنا ومعرفتنا ولغتنا وأسلوب حياتنا وعملنا وعلاقاتنا وأولوياتنا وأفكارنا وقيمنا وعلومنا؟ وإذا فسد الملح فبماذا يُملّح؟ وهنا يحضرني ردّ علي بن أبي طالب على صاحبه عاصم بن زيد الحارثي: “ويحك إني لست كأنت، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضَعَفَة الناس، حتى لا يتبيّغ (لا يضيق) بالفقر فقره”.

وكان قد كتب إلى صاحبه عثمان بن حنيف والي البصرة مقرعاً له على استجابته لدعوة إلى ترف (من غير حرام معلوم) وحكى عن إلحاحه في أن يكون قدوة للفقراء، داعياً المسؤولين “وأعلم أنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد”.

(من كتاب “في وصف الحب والحرب” للسيد هاني فحص)

آخر تحديث: 11 فبراير، 2019 2:03 م

مقالات تهمك >>