أربعون عاما من الثورة والخيبات … ماذا بعد؟

عندما إندلعت الثورة في إيران في العام 1978 كنت في السادسة عشرة من عمري ، شابا لبنانيا عروبيا مغتربا بفعل الحرب الأهلية اللبنانية التي إنتهت في فصلها الأول الذي سمي بحرب السنتين ، إنتهت بهزيمة المشروع الوطني الذي كنا نحلم به والذي كان متمثلا بالبرنامج السياسي المرحلي للحركة الوطنية اللبنانية التي كان يتزعمها الراحل كمال جنبلاط الذي دفع حياته ثمنا لهذا البرنامج الذي لم يكن ليتواءم مع سياسة النظام الرسمي العربي بشكل عام والنظام البعثي في سوريا بشكل خاص وهو ما أثبتته الأحداث على مر التاريخ وحتى يومنا هذا مع ما تعرض له كل حراك شعبي عربي قبل وأثناء الربيع العربي.

يومها وبحماس الشباب تابعنا وساندنا وأيدنا ثورة الشعب الإيراني ضد الشاه وكانت ثورة الشعب بكل أطيافه السياسية من وطنية تقليدية ويسارية ودينية. يومها كانت الحرب الباردة على أشدها بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي الذي كان قد سجل نقطة لصالحه عبر الإنقلاب العسكري الدموي ضد نظام الجنرال محمد داوود في أفغانستان ما سهل له الإقتراب من المياه الدافئة في الخليج العربي كما كان يطلق عليها . طبعا يومها لم نكن نفهم كل هذه التفاصيل، بل كان كل همنا أن ندعم كل ثورة وإسقاط كل نظام بغض النظر عمن يقوم بالثورة وماهية أهدافها ، كان يكفي أن تكون ضد أي حليف للولايات المتحدة حتى نعتبرها ثورة محقة.

ترافقت هذه الأحداث مع الإجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في آذار من العام 78 ، ومن ثم تغييب الإمام موسى الصدر في ليبيا وهو الذي كان يومها على خلاف مع التنظيمات الفلسطينية جراء التجاوزات والسياسات الفلسطينية وخاصة بعد القرار 425 الذي كان الصدر من أكثر الداعمين لصدوره وتطبيقه.

ترافقت هذه الأحداث عربيا مع إتفاقية كامب ديفيد وبروز ما سمي يومها جبهة ” الصمود والتصدي ” التي ضمت في صفوفها كل من سوريا وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية . في مثل هذه الأيام من العام 1979 عاد الإمام الخميني إلى طهران وما لبث أن فر الشاه هاربا ويقال اليوم من خلال كشف بعض المستور أن خروجه كان بطلب أميركي رسمي ما أدىإلى إنهيار نظامه وإنتصرت الثورة . وكان يوم إنتصار الثورة يوما عظيما بالنسبة لكثيرين من العرب واللبنانيين يحدوهم الأمل في تغيير وجه المنطقة إلى الأفضل خاصة بعد خروج مصر من الصف العربي والشعارات التي أطلقها الخميني يومها عن ” الغدة السرطانية ” إسرائيل وعن ” الشيطان الأكبر ” أميركا وغيرها من الشعارات التي كانت تلقى القبول والرضى والحماس في أوساط الناس.

إقرأ أيضاً: آمال إيران التي خيبتها أوروبا

في إيران وبعد إنتصار الثورة بدأت حملة تصفيات بشعة بحق الكثيرين من أركان نظام الشاه دون محاكمات تذكر ما خلا بعض المحاكمات ” الثورية”، وكانت كل هذه الفظائع ترتكب بإسم الثورة وحمايتها وكان هذا مقبولا ومبررا لدى الكثيرين ممن طالتهم بعدها هذه التصفيات منها الجسدي ومنها السياسي من يساريين ودينيين وسطيين ووطنيين ليبراليين وكانت التهمة جاهزة وهي العداء للثورة وهكذا حصل مع حركة مجاهدي خلق وحزب تودة الشيوعي ورجال الدين الوطنيين من أمثال محمود طالقاني وشريعتمداري وغيرهم وصولا إلى الخليفة المنتظر للخميني آية الله منتظري ، وكذلك الشخصيات مثل مهدي بازركان وصادق قطب زادة وإبراهيم يزدي وغيرهم من الشخصيات البارزة في الثورة هذا دون أن ننسى الأقليات القومية كالأكراد الذين نالهم النصيب الأكبر من التصفيات التي لاحقتهم حتى أوروبا وقتل عبد الرحمن قاسملو.

إقليميا مما لا شك فيه أن النظام الرسمي العربي كان متهيبا الثورة وتداعياتها على أحوال المنطقة، وكبر هذا التهيب عندما بدأ بعض قادة الثورة يهددون بتصديرها للدول المجاورة وراح البعض الآخر يطالب ولا يزال بضم البحرين بإعتبارها تابعة لبلاد فارس، ترافق هذا كله مع حملة تفجيرات في العراق ضد النظام القائم خاصة بعد إعدام النظام للسيد محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى ، وكان من أبرز هذه الإعتداءات محاولة إغتيال طارق عزيز في جامعة المستنصرية في بغداد.

كل هذه الأحداث أدت في النهاية إلى إندلاع الحرب العراقية – الإيرانية والتي كانت مفصلية بالنسبة لموقفي من إيران حيث إستشعرت الخطر الفارسي على البلاد العربية وكانت نقطة تحول كما كان إغتيال كمال جنبلاط هو نقطة التحول بالنسبة لموقفي من نظام الأسد ، وتغييب الإمام موسى الصدر هو نقطة التحول بالنسبة لنظام القذافي ، والمفارقة أن هذه الأنظمة الثلاثة قد تحالفت فيما بينها في الحرب العراقية – الإيرانية حيث زود البلدان ولا سيما القذافي إيران بصواريخ ضربت بغداد والمدن العراقية ودكتها قبل أن تدكها الصواريخ الأميركية فيما بعد.

إقرأ أيضاً: بوتين «السوفياتيّ» وجمع النقائض

دوليا في هذه الأثناء كان الإتحاد السوفياتي قد غزا أفغانستان بشكل مباشر بعد أن دب الخلاف داخل الحزب الشيوعي الأفغاني فأضطر للتدخل المباشر ما أجج الوضع العالمي والإقليمي بطبيعة الحال وبدأت الدعوات للجهاد لتحرير أفغانستان المسلمة من براثن الإتحاد السوفياتي الملحد، وبدا أن مبدأ بريجنسكي مستشار كارتر للأمن القومي قد وضع موضع التنفيذ وهو إثارة النزعة الدينية الإسلامية ضد الإتحاد السوفياتي وبدأت جحافل ” المجاهدين ” تتوافد على أفغانستان عن طريق باكستان بزعامة ضياء الحق وبدعم كبير وسخي من دول الخليج العربية التي كانت تقاتل في أفغانستان بواسطة الإسلام السني الوهابي ضد الإلحاد الشيوعي، وفي الوقت نفسه تدعم العراق في حربه مع إيران ” الشيعية ” وكانت هذه أولى بذور الفتنة السنية – الشيعية التي وضع أسسها مبدأ بريجنسكي ما يدعو للتساؤل اليوم هل كان غض النظر الأميركي عن إنتصار الثورة في إيران عبر الطلب من الشاه مغادرة البلاد، ونفض اليد من حكومة شهبور بختيار وعدم إستخدام القوات المسلحة الإيرانية ضد الثورة كما حصل عام 1952 إبان إنتفاضة مصدق، هل كان كل هذا مخططا له كي يستلم الحكم نظام ديني متطرف يقضي على كل المكونات السياسية في البلد وخاصة اليسار بهدف محاصرة الإتحاد السوفياتي في أفغانستان، كي يتاح له بعد ذلك شد العصب الديني والطائفي في مواجهة الإسلام السنيالأصولي فيما بعد؟

نقول كل هذا دون التشكيك بأصالة وشجاعة ثورة الشعب الإيراني الذي إنما ثار درءا للظلم والتعسف الذي كان يعاني منه ، ولم تكن الثورة في البداية على الأقل بهدف تغيير النظام إلى نظام ديني مغلق . وتستمر الأحداث ، لبنانيا يأتي الغزو الإسرائيلي عام 1982 ليخرج منظمة التحرير الفلسطينية من المعادلة ليبقى في الساحة حركة أمل التي أسسها السيد موسى الصدر والتي إشتد عودها بعد تغييبه الذي يعد نقلة نوعية في التفكير السياسي الشيعي اللبناني حيث شعر الشيعة في لبنان بأنهم مستهدفون خاصة مع التجاهل العربي لهذا الموضوع كليا وكذلك التخاذل العربي تجاه الغزو الصهيوني الذي وصل يومها إلى بيروت ، فلعبت العصبية المذهبية دورها مع إستغلال واضح من قبل النظام السوري لهذا الأمر وإستعماله في حربه مع منظمة التحرير التي كانت تتحالف مع بقايا الحركة الوطنية من إشتراكيين وقوميين ناصريين واليساريين من شيوعيين وغيرهم .

مع الغزو الصهيوني ودخول لبنان في النفق ومع تأسيس هيئة الإنقاذ الوطني التي جمعت الأطراف اللبنانية المتصارعة لأول مرة وإنضمام نبيه بري لها وإجتماعه من ضمنها مع بشير الجميل ، كان أول إنقسام في حركة أمل حيث ظهرت إلى العلن حركة أمل الإسلامية بقيادة حسين الموسوي وكان واضحا أن وراءها الجمهورية الإسلامية وكانت مع ما تبعها من حركات بأسماء عدة إتخذت المنحى الإسلامي الشيعي الموالي لإيران وما قامت به من عمليات ضد القوات المتعددة الجنسية يومها في لبنان ومن عمليات خطف للأجانب وبعض الإغتيالات والتفجيرات التي كانت تصب كلها في صالح إيران وأوصلت إلى صفقة إيران – كونترا التي حصلت بموجبها إيران على أسلحة من إسرائيل مقابل حل قضية الرهائن الأميركيين في لبنان .

كل هذه الحركات يمكن القول أنها كانت اللبنة الأولى لما بات يعرف في أواسط الثمانينات وحتى يومنا هذا بحزب الله والذي أنتج بسبب تضارب المصالح الإقليمية حربا بين الشيعة في لبنان في حرب ضروس راح ضحيتها المئات من الضحايا من الطرفين أمل وحزب الله ، حرب تزامنت مع خسارة إيران لجزيرة الفاو العراقية ما ذهب بالبعض للقول بأنها كانت حرب تعويض الفاو بمحاولة إيجاد موطئ قدم لها في لبنان وهكذا كان إلى أن وصلت اليوم إلى ما وصلت إليه من تقرير مصير البلد عبر وكيلها حزب الله . إقليميا كان عام 88 عام إنتهاء الحرب العراقية – الإيرانية بهزيمة واضحة لإيران عبر قبولها وعلى لسان الخميني ب ” تجرع السم ” وموافقتها على قرارات مجلس الأمن ذات الصلة . توفي بعدها الخميني وتسلم خامنئي ولاية الفقيه نفتح قوسين هنا لنقول بأنه كان قد مر على قضية الإمام موسى الصدر حوالي العشر سنوات ولم تحرك إيران ولا سوريا ساكنا مع حليفهما القذافي لمحاولة معرفة أو حل لغز إختفائه مع رفيقيه في ليبيا ولا يزال الوضع على ما هو عليه حتى اليوم . دوليا كان الإنسحاب السوفياتي من أفغانستان محملا بهزيمة ثقيلة على أيدي ” المجاهدين الأفغان والعرب ” وكان لهزيمته تلك دور كبير في إنهياره بعدها بقليل ليصبح العالم أحادي القطب مع إنهيار حاجز برلين وعودة ألمانيا إلى وحدتها . عربيا دفع فائض القوة لدى النظام العراقي لمحاولة تشكيل تجمع عربي ليكون سندا ودعم لدور أراد أن يلعبه في الساحة العربية في عالم كان يتغير بسرعة قياسية ربما أغرت النظام يومها بمحاولة فرض نفسه لاعبا مهما في منطقة من أخطر مناطق العالم وأكثرها حساسية ، وهو ما تجلى سريعا ببروز مشاكله القديمة مع الكويت التي كانت قد دعمته إبان حربه مع إيران وكان ما كان من غزو للكويت ومن ثم تدخل دولي بقيادة أميركا لتحريرها وهو ما أدى إلى تدمير هائل للعراق ومقدراته ، وإلى حصار دام 13 عاما .

ونام الغرب على حرير إنتصاراته قبل أن يستفيق على أن الوحش الأصولي الإسلامي الذي رباه قد كبر وإنقلب السحر على الساحر وكانت 11 أيلول وما تبعها من غزو لأفغانستان ومن ثم العراق ما مهد الطريق لإيران لإعادة صياغة سياساتها مع أميركا بحيث يمكن القول أنها كانت الرابح الأكبر من غزوات أميركا للمنطقة بحيث قدمت لها هذه الغزوات المنطقة على طبق من فضة خاصة مع تراخي الوضع العربي والضعف الذي إعتراه بعد إنهيار العراق والطوفان الأصولي الذي ضرب المنطقة بحجة المقاومة في العراق وأفغانستان الأمر الذي إستغلته إيران أحسن إستغلال عبر صفقاتها تارة مع هذه الحركات وتارة مع أميركا ضد هذه الحركات وهو ما يحسب لها سياسيا وتكتيكيا . وكان قد سبق كل هذا إنسحاب إسرائيل من لبنان ما أتاح نصرا مدويا لحزب الله وإلتفافا شعبيا حوله وهو ما صب أيضا في مصلحة إيران التي إستمرت في التمدد مستغلة نقاط الضعف العربية سواء في لبنان أو العراق أو سوريا بعد أزمة إغتيال الحريري ومن ثم الثورة أو اليمن ، وهكذا إلى أن وصلنا إلى اليوم الذي باتت تتباهى فيه أنها تسيطر على أربعة عواصم عربية في ذكراها الأربعون . هذه حكايتنا مع ” الثورة ” في إيران التي أكلت ككل الثورات أبناءها الحقيقيين ليسيطر عليها فكر ديني متطرف طوال الأربعون سنة الماضية ولتتحول من ثورة بنينا عليها كل الآمال إلى نظام ثيوقراطي توتاليتاري كغيره من أنظمة المنطقة وربما أخطر ، وهي اليوم على الرغم كل العنتريات التي تطلقها والكليشيهات التي تعودنا عليها ، يبدو أنها ليست بأحسن حال لا إقتصاديا ولا سياسيا ولا حتى عسكريا فبإستثناء ذراعها العسكري في لبنان حزب الله لم تستطع أن تجد لها إستقرارا لا في سوريا ولا اليمن ولا حتى في العراق لا هي ولا محيطها الأقليمي والعرب منهم بشكل خاص الذين يمكن أن نقول أنهم دفعوا ثمنا غاليا ولا زالوا ثمن تنمرها وأحلامها الإمبراطورية التوسعية وخاصة إستخدامها للدين والمذهب مطية لسياساتها مع ما جره هذا مع بقية أطراف الإسلام الأصولي والسلفي التي لم تكن بعيدة عن تبادل المصالح معه من ويلات على المنطقة . وإذا كان سن الأربعين هو سن التعقل والحكمة فهل سينطبق هذا في السياسة وفي إيران بحيث يمكن أن نشهد تحولات في مواقفها ، الأحداث والأمور طبعا لا توحي بذلك بل توحي بالعكس تماما خاصة مع وجود شخصية مثل شخصية ترامب في أميركا يعمل على تطويقها وإستنزافها ، لذلك المتوقع أن تذهب المنطقة إلى الأسوأ حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .

آخر تحديث: 9 فبراير، 2019 1:29 م

مقالات تهمك >>