«حقك تعرف» معرفةً غير ناقصة…!

بعد الانتخابات النيابية ووعود مكافحة الفساد، أطلق المدير العام لقناة "المنار" برنامج "حقّك تعرف" في خلال لقاء خاصّ، جمعه وعدداً من "رفاق الإعلام"، فيما كان الترويج للبرنامج يتولّاه مقدّم "البرنامج الاستثنائي"، الذي شدّد على دوره في "فضح" آليات عمل "النظام" في الدولة اللبنانية، بما للنّظام وما عليه، فبدا ريادياً، وقوله الأثير: "لأنّك ما بتعرف!"، ما أوحى بعهدٍ جديدٍ تُدشّنه القناة في مجال الإعلام التنمويّ والإعلام الاستقصائيّ. فهل عرفنا ما جهَّلناه المقدّم؟! وهل علّمنا ما لم نكن نعلم؟!

حتى الساعة لم يستطع “حقك تعرف” أن يرتفع إلى المستوى الموعود، لا في الشكل ولا في المضمون. فالبرنامج القائم على المعرفة والكشف يقوده مذيعٌ مبتدئ نمطيّ اللغة والإيقاع، وقد بلغ من جرأته في عصر الحداثة السائلة والإعلام الاجتماعي أن افتتح عهده بالقول “إنّكم لا تعرفون”، وأوحى بأنّ مهمّته طليعيّة نخبويّة، من أولويّاتها إنذار الفاسدين بالتعرية إلى حدود المحاسبة، وانفتاح على مفهوم الدولة والمؤسسات، أمام جمهور لا علاقة مميّزة له بدولته!

دعا مقدّم البرنامج جمهوره إلى الثقة في الدولة والمؤسسات، وأرجع سبب البُعد ما بينها وبين المواطنين الصالحين إلى عدم إلمام هؤلاء بتفاصيل المؤسسات وآليات عملها؛ ووفق طريقة “الغموض البنّاء”، ظننا ـ وبعض الظّنّ إثم ـ أنّ المقدّم سيقدّم لنا جديداً، في سياق ربط أواصر القربى بين الدولة وأبنائها، مستعيناً بفريق إعداد مميّز، ومتسلّحاً بفريق من المراسلين والمخبرين واسعي الحيلة والمصادر، وهو الذي أظهر ثقةً، ونفج صدره، ونظر نظرة ثاقبة، رامياً للبعيد. وكانت المفاجأة! فسرعان ما حطّ طائر سعدنا قريباً من مدرجه، بإعداده المرتبك، وشبكة مراسليه ومصادره المحدودة، يعضد ذلك ثقة ذات نمطيّة قاتلة.

اقرأ أيضاً: محاربة الفساد على طريقة حزب الله وأمل

لم يفجّر البرنامج السياسي والاقتصادي الحواري مسلّمات في بيئته وجمهوره، ولم يكشف عن حقائق غير تلك السافرة لكلّ مواطن بسيط، ولم يكافح المستورَ من الفساد ولا الظاهرَ، إذ لم يكن إلا نسخة مكرّرة مما سبق إليه غيره، وما قاله كثيرٌ من الخبراء والمهتميّن والمدّعين، ولربّما تفوّقت وسائل أخرى في ذكر أسماء ومؤسسات وتحالفات لم يقوَ “المنار” ومقدّمه على تسميتها، أو أنه ضعف عن الإحاطة بها. فهل أتى “حقك تعرف” بمعلومات ووقائع أكثر مما أتت به “الأخبار” أو قناة “الجديد” أو الصحافي…؟! وهل استطاع أن يسمّي أصحاب الاحتكارات الدوائية والجدل

السياسي الاقتصادي الذي يحميها، أم تراه حلّل التركيبة في مجلس الإنماء والإعمار، وما تعكسه من علاقات شخصيّة ومذهبيّة، ومن نظام مصالح ونفوذ؟

لماذا إذاً….؟

تُراوح الطموحات الإعلامية أمام هيكل الفساد، قصداً أو عجزاً، ويجدّد الإعلام التأكيد بوسائله المتعدّدة والمختلفة أنّه جزء من نظام المصالح والنفوذ والفساد أيضاً، وأنّ سقوفه مضبوطة بذلك النظام، لأنّه ثمرة من ثمار النظام وتجلٍّ له وأداة من أدوات اشتغاله الاجتماعية والسياسية.

إلى ما تقدّم، يمكننا أن نرى بيّناً ضعف “حقك تعرف” وقناته في نقد الأوضاع العامة، خصوصاً الاقتصادية، إذ يبدو افتقارهم إلى الخلفيّة الضروريّة في مقاربة هذه المواضيع، بسبب التشوّش في الموقف وعدم رغبتها في الانحياز الطبقي في الصراع بين العمال وأرباب العمل الفاسدين والهيئات الاقتصادية والمؤسسات المرابية، في وقت تعلو قدرة الإعلام اليساري الهوى في نقد المشهد من دون وجلٍ أو خوفٍ أو اعتبارات مباشرة تفرضها دقة المراحل السياسية.

اقرأ أيضاً: «حزب الله» ومكافحة الفساد: بين النوايا والتطبيق

أمام هذا الواقع، يعجز “حقك تعرف” عن تقديم المبتغي، ولا ينجح إلا في تقديم الفضائح “المضبوطة”، من غير متابعة لأيّ فضيحة منها إلا بالقدر الذي يخدم التجاذب السياسيّ، ويُرضي الجمهور الغاضب، من دون الوصول إلى النتائج والخواتيم المنطقية، لأنّ ذلك كفيل بإشعال ثورة ضد الطبقة السياسية لا الاقتصار على مجرّد السؤال والاستجواب!

كذلك، لا ينجح “حقك نعرف” في وصل المنقطع بين جمهوره والدولة والسلطة، فيفشل حيث أراد لتلك العلاقة أن تستقيم بين طرفين لم يطوّر حتى السّاعة علاقة سليمة، بل كانت على الدوام ملتبسة.

وفي المحصّلة يؤكّد هذا الإعلام أنّه شريك السياسيين في تسخيف المنطق السليم، وفي إضعاف حسّ المسؤولية والمساءلة، وفي برمجة عقول المواطنين واهتماماتهم، بناء على علاقة جدليّة بينه وبين المال والسياسة!

آخر تحديث: 7 فبراير، 2019 4:58 م

مقالات تهمك >>