سجال الحجاب في مصر…وفشل الاسلام السياسي..

بعد عشرين عاماً

منذ تسعينات القرن الماضي ، اجتاحت مصر “موجة” تدعو النساء الى إرتداء ” الحجاب” بإعتباره رمزاً للعفة والفضيلة والاخلاق الرفيعة، والهُوية الاسلامية الصحيحة، والخصوصية الحضارية التي “تميز” النساء المسلمات عن بقية خلق الله . وقد ركّز اصحاب هذه الدعوة على الفنانات المصريات ، ونجحوا في استقطاب الكثيرات ممَن كنّ يومها ، في قمة نجاحهن وشهرتهن ونجوميتهن . وهكذا ظهر مصطلح ” الفنانات التائبات” ، ومعه بدأت تتوالى الأخبار عن ” تحجّب” فلانة وعلّانة ، وكل واحدةٍ منهن ، كانت تحظى بحملةٍ إعلامية منقطعة النظير ، على وسائل الإعلام ، ولاسيما في البرامج الدينية ، كي تروي للجمهور تفاصيل هذه التجربة الروحانية العظيمة ، وتحكي له عن سعادتها بقرارها إرتداء الحجاب ، وعن تصالحها مع نفسها، بعد هدايتها وعودتها الى ربها ودينها واخلاقها الاسلامية الصحيحة. وابرز الأسماء اللامعة التي انخرطت في هذه الموجة : شمس البارودي ، شادية، سهير البابلي، سهير رمزي، شهيرة ، حنان الترك ، حلا شيحا، نورا، عفاف شعيب، صابرين، غاده عادل ….
طبعاً .. الفنّ المصري الذي كان يسيطر على العالم العربي بأكمله، كان الخاسر الأكبر من هذه الانسحابات الجماعية للفنانات من الساحة ، وهو ما سمح لاحقاً للممثلات اللبنانيات بملء الفراغ الحاصل هناك ، وسمح للدراما السورية بأن تتفوق على مثيلتها المصرية التي خسرت العديد من نجومها ونجماتها من الصفّ الأول ، بفعل الأحكام التي ترددت عن ان الفنّ ” حرام” ، والقبلة في التمثيل “جريمة أخلاقية” ، وما الى ذلك من احكام وأقوال قتلت روح الإبداع الفني في مصر ، وحولّت بعض الفنانين الى ” مشايخ” ، والفنانات الى ” داعيات إسلاميات” يتجرّأنّ على الوعظ الديني والأخلاقي، وهنّ شبه أُميّات بمفردات اللغة والفقه والشريعة .
وبما أنّ الفنانات مؤثّرات في المجتمع ، فقد انتقلت ظاهرة الحجاب بسرعة قياسية – من خلال التقليد والمحاكاة – الى سائر النساء والفتيات المسلمات اللواتي أردنّ التشبّه بنجماتهنّ المفضلات . ويقال ان نسبة المحجبات في مصر مثلاً ، قد وصلت الى ما نسبته 85% من مجمل عدد النساء .
وقد كان من الملفت للنظر ، بعد إندلاع ثورات الربيع العربي، الأخبار المروّعة والمفجعة التي كان يتمّ توثيقها وتداولها عن العدد الهائل لحالات التحرش الجنسي التي تعرضت لها النساء المحجبات وغير المحجبات ، أثناء المظاهرات المليونية التي حصلت في مصر ، والتي اتاحت الاختلاط والتماس بين الرجال والنساء ، وأثبتت انه على أرض الواقع والممارسة ، لم يكن للدعوة الى ” تحجيب” المرأة ، أيّ دور في صيانة أخلاق افراد المجتمع ، أو في تحصينه من السقوط في الرذيلة والفحشاء والمنكر والبغي ، لأنه في اللحظة التي غابت فيها الضوابط والروادع ، طفت على السطح، كل الموبقات الاخلاقية والعُقد الذكورية والكبت الجنسي المتوحش، وهو ما أكد أن العيب والعار والنقص والإعوجاج موجود في مكان آخر ، غير “شعر” المرأة .
وبعيداً عن التفسيرات والتأويلات الدينية والفقهية ، ومهما اختلفنا او تعددت أحكامنا واجتهاداتنا في قراءة هذا الواقع ، إلا أن هناك حقيقة واحدة لا بدّ من الإقرار بها : وهي أنّ جماعات الاسلام السياسي قد فشلت في كل شيء : السياسة ، الاقتصاد، التعليم ، التنمية، الاصلاح، التحرير .. الخ ، ولم تتمكن منذ منتصف القرن الماضي ، من تحقيق أيّ إنجاز يُذكر على الصعيد الاجتماعي أو الاقتصادي أو التربوي أو السياسي أو العسكري ، ولكنها نجحت فقط ، في إيهام الناس أن الطريق الوحيد الذي يؤدي الى نهضة المسلمين، واستعادتهم لعزّتهم ومنعتهم وقوتهم، ومقاومتهم للغزو الثقافي الغربي والتيارات المادية والالحادية ، إنما يمرّ عبر جسد المرأة ، وعبر التمسك بالشكليات، والإعتناء بالمظاهر الخارجية التي بها يستطيع المسلمون ان يثبتوا للعالم أجمع ، انهم أقوياء ويستعصون على الإختراق . أجل .. لا نهضة بدون السيطرة على جسد المرأة الذي هو رمز الإغراء والغواية ، وباب الفتنة والخطيئة .. فلنغلق هذا الباب ، كي تستعيد الأمة امجادها الزائلة ، وكي نحقق رغبة شيخنا ب ” أسلمة” العالم كله !!
ونظرة بسيطة على واقعنا المزري ، قبل داعش وبعده ، يظهر أننا نعيش في قعر القعر ، وأننا إن لم نترك خطاب القشور والجسد ، ونركز على خطاب اللباب والعلم والعقل ، فلن تقوم لنا قيامة لا اليوم .. ولا بعد ألف سنة .

وبالطبع لا داعي لسرد آلاف الأمثلة والشواهد على السقطات الأخلاقية المرعبة، والنقائض العقلية والمنطقية والسلوكية التي إنتهى اليها ذلك الخطاب ، في واقعنا اليومي .
(في الصورة : الممثلتان سهير رمزي وشهيرة اللتان خلعتا الحجاب ، وصبغتا شعرهما بالأشقر الذهبي ، بعد ان بلغتا من العمر عِتيّا !!! )

آخر تحديث: 6 فبراير، 2019 9:42 ص

مقالات تهمك >>