لا يمكن لبننة العراق ولا عرقنة لبنان…

بعد اعلان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الانتصار على داعش وطرده من الموصل والأنبار، بدأ الأمن يستتب في العراق، وللقادم الى بغداد أن يجمع بين السهر في أحد المقاهي ثم القيام بعدها لزيارة ضريح الامامين الكاظم والجواد، وهو ما يؤشر الى عودة حياة الليل الى بغداد.

تشبيه لبنان بالعراق أمر مستحيل، بدءأً من الجغرافيا، وهذا يدركه كلّ لبناني سافر جوّا من بيروت الى بغداد.

فالطائرة بعد دقائق من اقلاعها تصبح خارج الأجواء اللبنانية، في حين ان نصف مدة الرحلة البالغة ساعة ونصف هي فوق الأجواء العراقية قبل الهبوط الى في مطار بغداد، العاصمة التي تقع وسط البلاد وليس في أقاصيها.

تعدّد الطوائف والأعراق أمر تعوّد عليه العراقيون، اما الفتنة الطائفية التي حاول “داعش” أن يذكيها واستجاب لها بعض الطارئين من الطرف الآخر، فانها سرعان ما خمدت مع إعادة تشكيل الجيش الوطني الذي ضمّ جميع الشرائح والفئات بإشراف رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وكذلك أمر العبادي بتشكيل حشد العشائر في مناطق العرب السنة ليمتلكوا حقّ قتال “داعش” إسوة بالحشد الشعبي الشيعي، واذا أضفنا البيشمركة المسلّحة الكردية، فان أي مكوّن لم يعد يشعر أنه مستهدف، لأنه يملك حقّ حمل السلاح و “مقاومة” الإرهاب إسوة بالمكوّن الآخر.

اقرأ أيضاً: ثرثرة على ضفاف دجلة: بغداد وقاطرة العراق الوطنية

روح الأبوة التي تحرص على مصلحة العراق وأهله ترشح من حديث العبادي، وهو يتحدث عن المرحلة السابقة التي تولى فيها رئاسة العراق منذ العام 2014، وسار فيها بين الألغام مدة أربع سنوات، فصبر وتحمّل من الحليف قبل العدوّ من أجل ان يصل العراق الى برّ الأمان ويحرره من ارهاب داعش ويبعد عنه خطر الحرب الأهلية وينقذه من الافلاس، وعلى الرغم من افتعال مظاهرات أيلول في البصرة التي أراد من خطط لها اسقاطه لأسباب لها علاقة بالخيارات السياسية لا غير، فإن العبادي يدعم خلفه الحالي رئيس الوزراء  عادل عبد المهدي، في إيثار يريده العبادي من أجل تعزيز سيادة الدولة والحفاظ على الانجازات الوطنية الكبيرة التي تحققت في عهده.

أما الكلام الصريح المشفوع بالغيرة على الوطن من الأقربين والأبعدين، فتسمعه من رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، الذي ينتقد بشدّة أداء إيران في العراق وتدخلها في شؤونه بكل صغيرة وكبيرة، وهو ما يؤشر الى وطنية الحراك السياسي في العراق، “فمعارضو إيران أصبحوا يضمون شيعة وسنة على حدّ سواء، وحلفاؤها كذلك”، على حد تعبير السيد الحكيم وهو أمر تفتقده الساحة السياسية اللبنانية التي أصبحت عبارة عن كانتونات طائفية.

هذا سياسيا، أما اجتماعيا فلا تخلو جلسة أو سهرة إخوانية من وجود علي وعمر على الطاولة نفسها، ابن كربلاء وابن الفلوجة يجتمعان ويتحدثان وسط رفاق يشبهونهما، فتتلاقى وتتلاقح الافكار الوطنية التواقة للتغيير، ويشمل حديثهم التاريخ والفن والسياسة، وتنتهي السهرة أن يغني أحدهم فيطرب الرفاق ويبدأون بالتصفيق، ثمّ يؤذّن أحدهم بصوت رخيم فيخشع جميع الحاضرين.

اقرأ أيضاً: المجال العراقي «بات مفتوحاً».. ميليشيات إيران في مرمى إسرائيل

تنتهي الرحلة الى بلاد الرافدين بخلاصة واضحة وهي ان لبنان لا يشبه العراق الا من حيث وجود ثقل للتدخّل الايراني في الحياة السياسية للبلدين، فلاطائفية المعارضة في العراق، وعدم احتكار سلاح خارج الدولة من قبل طائفة معينة بالقوة من شأنه أن يعزز تيار الدولة المجمع عليه من قبل الموالين والمعارضين على حدّ سواء، وبالتالي فان مقولة لبننة العراق، أو عرقنة لبنان هي مقولة ساقطة يلفظها الواقع الذي يشهد تطورا وطنيا لافتا في حياته السياسية كما شهدناه في بغداد، عكس الجمود واستسلام الناس للطائفية وزعمائها منذ عقود في لبنان.

آخر تحديث: 31 يناير، 2019 9:15 ص

مقالات تهمك >>