…وماذا عن الأنفاق التي لن تُدَمِّرها إسرائيل؟

فجر الرابع من كانون الأول (2018)، أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي الشروع بعملية أطلق عليها اسم “درع الشمال”. صحيح أن اسم هذه العملية لم يكن بـ”شاعرية” عمليات عسكرية أخرى قام بها الجيش المذكور، (“عناقيد الغضب” (لبنان 1996)، “الرصاص المسكوب” (غزة 2008))، ولكن الحقائق والوقائع التي أسفرت عنها كانت مدهشة!

فما هي إلا أيام قليلة على انطلاق “درع الشمال” حتى تبين بالدليل القاطع، وباعتراف اليونيفيل، (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان)، أن حزب اللـه قد حفر عددا من الأنفاق التي تمتد من الأراضي اللبنانية إلى الأراضي الإسرائيلية عابرة تحت “الخط الأزرق”، أي الخط الذي رسمته الأمم المتحدة بين لبنان وإسرائيل غداة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سنة 2000، والذي يفترض، يوما ما، بعد رفع التَّحفظات المَوْضِعِيَّة المتبادلة بشأن عدد من النقاط التي يمر بها، أن يُثَبَّتَ بوصفه الحدود الدوليَّة بين لبنان وإسرائيل.

رغم الحجج المادية الدامغة على أن عددا من هذه الأنفاق ينطلق من لبنان وينتهي في إسرائيل مخترقا الخط الأزرق ومسفِّها القرار الدولي 1701 الذي ينص على إخلاء المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والخط الأزرق ذاك من الأسلحة والمسلحين ما خلا قوات اليونيفيل وقوات الجيش اللبناني، ـ رغم ذلك، لم تفتأ التصريحات اللبنانية الرسمية، المذيل منها بتوقيع السلطة السياسية أو المؤسسة العسكرية، تصف هذه الأنفاق بـ”المزعومة”، مُزَيِّنَة للبنانيين أن الأمر لا يعدو كونه مناورة سياسية يتوسل بها رئيس الحكومة الإسرائيلية النجاة بنفسه من أزماته الداخلية، وأن اللبنانيين، بالتالي، لا شأن لهم بما يجري على حدودهم الجنوبية، وليس لهم أن يبالوا به، ولا عليهم منه ومن عواقبه.

وحاشا أن يكون الواحد جاهِلا بأحوال لبنان، أو أن يتعمد التَّجاهل عن مُجاملة أو عن سوء نية، فموقف السلطة اللبنانية المتمسك بأن الأنفاق “مزعومة” مفهوم لا عجب فيه ولا غرابة… إن هو في الحقيقة إلا شاهد إضافي على ما لا يحتاج بَعْدُ إلى بيان أو إلى إثبات: في “دولةِ حزب الله”، دين الدولة “المقاومة”، والمُرافعة عن هذه “المقاومة” (المزعومة) ولو على حساب لبنان واللبنانيين… بل: ولو على حساب الحقيقة الثابتة بالوجه الشَّرعي!”.

اقرأ أيضاً: هل ينجح باسيل بنيل «الثلث المعطّل» من «حزب الله»

عمليا، انتهى الأمر بأن دمرت إسرائيل ما تَسَقَّطَتْهُ من أنفاق، وبأن أقامت الحجَّة مجددا على أن دولة لبنان خادِم بين يدي دولة حزب الله، (وفي أحسن الأحوال، شريك لها)، وعلى أن اليونيفيل أبعد ما تكون عن “ضمان عدم استخدام مناطق عملياتها لأي أنشطة عدائية من أي نوع كان” على ما ينص القرار 1701…

نعم، حتى إشعار آخر انتهى الأمر عند هذا الحد، ولكن مما يُرْثى له أن تمر واقعة الأنفاق مرور الكرام وألا يستسنِحَها مَنْ يعنيهم الأمر، من اللبنانيين ومن غير اللبنانيين، مناسبة للتأمل في ما وراء الأنفاق التي حفرها حزب الله في جنوب لبنان… ــ للتأمل، أعني، في مَحَلّ الأنفاق من ثقافة حزب الله وسياسته، ومِما انبسط، وينبسط، مِن نفوذه وهيمنته…

بالطبع، لا يختص حزب الله بحفر الأنفاق لغايات عسكرية (وغير عسكرية)، ولكن مبتدئي في هذه العجالة أن حَفْر الأنفاق، وما يجري مجراه من أساليب “النِّفاق” التي يقصد منها التسلل مِنْ مَقْصِد إلى آخر، هو من حزب الله استراتيجيته الأثيرة بلا منازع. وأما أخبار هذا المبتدأ فحدث ولا حرج…

عليك مثلا بتسمية “مقاومة”، (المقاومة الإسلامية)، التي يطلقها حزب الله على نفسه كلما دعته الحاجة إلى استنفار عصبية جمهوره، أو كلما دعته إلى توعد خصومه بالويل والثبور. في أحسن الأحوالِ، وبكثير كثير من التَّسَمُّحِ، يمكن القول إن شرعيَّة ما لهذه اللفظة كانت قائمة حتى أيار/مايو من عام 2000 حيث أنْجَز رئيس الوزراء الإسرائيلي آيامذاك يهودا باراك الوَعد الانتخابي الذي قطعه لجمهوره وانسحب من جنوب لبنان.

من إذذاك، تقادَمت شرعيَّة أي نشاط عسكري يقوم به حزب الله حيال إسرائيل. لم يَحُلْ هذا التقادم، في ظل القبضة البعثية على لبنان، وفي ظل التفاهمات السورية/الإيرانية العريضة، دون أن يستمسك حزب الله بمصطلح “مقاومة”، وأن يصطنعه اسما مستعارا لآلته العسكرية/الأمنية. وإذ وضع حزب الله نفسه، مع اغتيال رفيق الحريري، في موضع الشُّبهة، وإذ تَجَرَّأ اللبنانيون على مقاومة مُقاومته المزعومة موجّهين إليه وإليها تهمة الاغتيال، (اغتيال الحريري وعدد من أعيان 14 آذار)، لم يجِد الحزب المُتَأَلِّهُ مفرا من استفزازِ إسرائيل تحت عنوان تحرير الأسرى، ومن استيقاد حرب كان من عداد غاياتِها أن تُفحِم اللبنانيين وتُسكتهم، وأن تُصلح ما أفسده انسحاب إسرائيل سنة 2000 من أسبابٍ موجبة لاستمرار “المقاومة”، أي لاحتفاظ حزب إيران في لبنان بسلاحه… وكان لحزب الله ما أراد، وهكذا، بذريعة تلك الحرب، حفر حزب الله لنفسه، تحت “الشرعية” اللبنانية، (وتحت أنظارها وأنظار المُراهنينَ عليها في كثير من الأحيان)، شبكة أنفاق طويلة عريضة تتعدد مداخلها بعدد مرافق الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وتتعدد مخارجها، من سوريا إلى اليمن إلى نيجيريا، بعدد الوظائف الموكلة إليه، وبعدد الساحات التي تملي المصلحة الإيرانية أن تتصل بها هذه الشبكة.

دعك من “المقاومة” إن كنت مِمَّنْ لم يَشْفوا بعد من داء “القضايا العادلة” وانظر في خريطة لبنان الطائفية/السياسية على ما رست عليه منذ سنوات، فماذا عساك أن ترى؟ سواء أكنت متضلعا من الشأن اللبناني في تفاصيله المملة أم لم تكن، لن يقتضيك الكثير لتلاحظ أن الفسيفساء الطائفية التي لطالما أُولِـعَ اللبنانيون أن يُشَبِّهوا اجتماعَهم بها، بصرف النظر عن وجاهة هذا الوَلَع وهذا التشبيه، تتلون في مواضع كثيرة منها بألوان حزب الله، أو بمشتقات من ألوانه (حرصا، بالطبع، على إضفاء مصداقية ما على “الذِّميَّة الطَّوعيَّة” للمُرْتَضينَ أنْ يَتَلَوَّنوا بأصْفَر حزب الله).

ومتى ما أمعن الواحد منا، والواحدةُ، النظر في سيرة هذا “الاصفرار” الذي يعتري الفسيفساء تلك فلن يجد، مثلا، أثار كسر وخلع على أبواب أي من الجماعات اللبنانية ـ لن يجد أثارا تشي بأن طارقا ما توسل بالعنف للولوج إلى حرم هذه أو تلك منها ولرفع أعلامه (الصفراء) فوق أسوارها. بكثير من الصبر والأناة، ومن الدهاء والوصولية، حفر حزب الله لنفسه، تحت “الفسيفساء” اللبنانية، (وتحت الشمس في كثير من الأحيان)، شبكة أنفاق طويلة عريضة مداخلها “المقاومة” و/أو “العروبة” و/أو “الدفاع عن الأقليات” و/أو التصدي لـ”التكفير” وأهله، ومخارجها في كل الطوائف والمذاهب اللبنانية بلا استثناء.

وبطبيعة الحال، وبما أن الأقربين أولى بالمعروف، لم يغفل حزب الله جماعَته، اللبنانيين الشيعة، فمد شبكة أنفاقه تحت فسيفسائهم ـ من حركة أمل إلى الحزب الشيوعي!

رب معقب على ما تقدم بأن الصبر والأناة والدهاء والوصولية لا تكفي، مهما اجتمعت، لتفسير ما نجح فيه حزب الله من اختراق للجماعات اللبنانية، وبأن حزب الله، لولا المَدَد الإيراني (الذي وصفه أمينه العام يوما بـ”النظيف”)، ولولا ما تحت يده من بأس عسكري، ولولا ما أجْهَضَهُ، بلحاظ فائض القوة هذا، من محاولات لترميم ما للدولة من امتيازات سيادية لا تقبل، تعريفا، أن يشاركها فيها أي طرف آخر، ولولا… ولولا… لما نجح في مد شبكات أنفاقه سواء تحت الدولة اللبنانية أو تحت فسيفساء الاجتماع اللبناني، ولما نجح في تنصيب نفسه وصيا على فئة، على الأقل، من كل جماعة لبنانية؛ وهذا صحيح، وفي كل عامل من هذه العوامل هذه ما يُغني باقة الأسباب التي تفسر نجاح حزب الله في سعيه، ولكن باقة الأسباب شيء، ووضوح القَصْد الذي يقصد إليه حزب الله، ومن وراءه، مِنْ طريق هذه الأسباب وبوسيلتها وبشفاعتها شيء آخر!

ولعل في ما هو شائع من خلط بين الوسائل التي يتوسل بها حزب الله لإنفاذ مآربه، وبين هذه المآرب نفسها ـ لعل فيه الإبانَة عن طبيعة مشاعر “الإكبار” و”الحَسَد” التي تعتمل، في آن معا، في صدور المخالفين على حزب الله، كما الموالين له، بين يدي ما ينجح فيه قياسا بما يُخْفِق فيه أولئك المخالفون.

وإن صح ما نذهب إليه من أن “النَّفق” هو الحَرْف الذي تُقْرَأ عليه استراتيجية حزب الله، ومن أن حَفْر الأنفاق، والتسلل خللها، هو الخطة منه والسياسة لبلوغ مآربه ــ وهي فرضية لا يتعذر على أي قارئ في صحيفة أعمال حزب الله أن يتثبت منها بنفسه ـ حق السؤال عن حيثية حزب الله نفسه وعن مدى انطباق وَصْف “النَّفَق” عليه هو نفسه!

لأعوام خلت، ولنقل على سبيل التيسير لما قبل اندلاع الثورة في سوريا ـ بصرف النظر عما آلت إليه هذه الثورة وعن المسؤولية عن ذلك ـ أمكن لهواة الصنف أن يختلفوا في تعريف حزب الله ما حلا لهم من الاختلاف وأن يجتهدوا آراءهم في ما بينه وبين إيران من رحم، أما اليوم، بعد الثورة السورية، وبعد المساهمة الموصوفة لحزب الله في قمع هذه الثورة وفي إفشالها تلبية، بالرّوح والدم، لأمر العمليات الصادر إليه من طهران، فأقل ما يُقال إن فكرة الاختلاف في تعريف حزب الله ـ الفكرة بحد ذاتها ـ قد تقادمت، وإن مورد الاجتهاد في ما بينه وبين إيران قد جَف، وإنه لم يبق إلا التَّسليمُ بأن حزب الله نفق إيراني مدخله في طهران، ومُوَزِّع شبكته في بيروت، ومخارِجه حيثما تستدعي المصلحة الإيرانية أن يكون له من مخارج.

هو كذلك، ولكن التسليم به، ولو أنه ضَرْبَة لازِب، أمانة ثقيلة! فمن يتصدى لأن يُدَمر نَفَقا يعرف ابتداء أن الأرض قد تميد به وبالنفق، أو قد تخسف بهما لربما، فكيف وأنها شبكة أنفاق معمِّرة لا نفق واحد فحسب…

آخر تحديث: 23 يناير، 2019 11:22 ص

مقالات تهمك >>