في الوحدة الطهارة والسلامة

في فقه العبادات أحكام للمياه، ومنها أن الماء القليل ينجس كله بملاقاة النجاسة (الدم مثلاً) فإذا كان كثيراً، أي له رصيد يمده ويجدده، كماء العيون الجارية – حتى لو كان الظاهر منه قليلاً- أو كالأنهار أو البحار، أو كان من مطر السماء بحيث يجري على الأرض الصلبة ويبقى متقاطراً، أو كان راكداً بالغاً ما يقرب من 375 ليتراً، في مكان واحد أو أمكنة متصلة، أو إذا كان قليلاً متصلاً بكثير، فإنه لا يتنجس بملاقاة النجاسة، وإنما يتنجس إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته بلونها أو طعمها أو رائحتها (تماهى معها).. وهكذا الأمم والشعوب والأوطان، تصبح عرضة للنجاسة والفساد إذا ما تجزأت وانفصل بعضها عن بعض وصار كثيرها قليلاً بفعل التجزئة.. أما إذا كانت موصولة متصلة ومعتصماً بعضها ببعض وقليلها بالكثير، متحداً فيها القليل بالقليل ليصبح القليل بالقليل كثيراً، وبالكثير أكثر وأوسع وأمنع، فإنها يصعب إفسادها، لأنه يستلزم إفساداً لكل عنصر من عناصرها، وكل عنصر من عناصرها ليس عنصراً وحده، لأنه جزء من كل، فمن أين تدخل النجاسة؟ وإذا دخلت فإنها لا تلبث أن تزول.. تماماً كالبحر أو النهر إذا ما قسمناه إلى أكواب أو أباريق أو كؤوس وحتى (براميل).. فمن يقسم، تحت أي ذريعة حزبية أو مذهبية أو دينية أو جهوية، فإنه يعرض نفسه والآخر إلى النجاسة والفساد.

اقرأ أيضاً: هاني فحص: وُلدت الى جانب شتلة التبغ وراديكاليتي حصنتني من خيانات كثيرة

والوحدة ضمانة السلامة والطهارة.. هذا إذا كان الماء مطلقاً، أما إذا كان مضافاً – غير وطني خالص مهما يكن حلواً أو جميلاً-كماء العنب أو الشعير أو التفاح أو البرتقال أو الورد، أياً كان، فإنه يتنجس بملاقاة النجاسة، قليلاً كان أو كثيراً، ولا يطهر أبداً، لا يبقى نافعاً إلا في حدود تخرج عن الغاية التي من أجلها تم تحضيره.. بينما يطهر القليل المطلق إذا فتحنا عليه ماء مطلقاً كثيراً وطاهراً، أي أعدناه إلى نصابه، وتطهر الجماعة المنشقة وتصلح، إذا لم تكن قد انفصلت عن جسمها وأضيفت إلى جسم آخر، أي فقدت استقلالها، ويمكن إعادتها إلى وعيها وصفها.. أما المضاف الذي غير هويته ولونه وتعريفه وطعمه، وأصبحت ماهيته من ماهية أخرى، فانه لا يطهر، لأن عناصر مناعته تكون قد استهلكت.. ولأن الاستقلال والنزوع الوحدوي هو ضمانة الشفاء من النجاسة والفساد والتبعية المطلقة.. هذا ليس ترغيباً إلى القطيعة مع الآخر، أياً كان، بل هو تشويق إلى الذهاب إلى الآخر من الذات، أي أنت كما أنت.. وهو كما هو.. لتعود إلى ذاتك مترعاً بالآخر، لا ممحواً به ولا ماحياً له.

في الله: (من ديوان الصحيفة السجادية لزين العابدين(ع))
الحمد لله الأول قبل الإنشاء والإحياء.. والآخر بعد فناء الأشياء، العليم الذي لا ينسى من ذَكره، ولا ينقص من شَكَره، ولا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه. اللهم يا ملاذ اللائذين ويا معاذ العائذين ويا منجي الهالكين ويا عاصم البائسين ويا راحم المساكين ويا مجيب المضطرين ويا كنز المفتقرين ويا جابر المنكسرين ويا مأوى المنقطعين ويا ناصر المستضعفين ويا مجير الخائفين ويا مغيث المكروبين، ويا حصين اللاجئين، إن لم أعذ بعزتك فبمن أعوذ؟ وإن لم ألذ بقدرتك فبمن ألوذ؟.. إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلاً؟ ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولاً؟ إلهي فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك وولايتك وأخلصته لودك ومحبتك وشوقته إلى لقائك ومنحته النظر إلى وجهك وخصصته بمعرفتك وأهّلته لعبادتك واجتبيته لمشاهدتك وخصصته بمعرفتك وأخليت وجهه لك وفرغت فؤاده لحبك ورغبته فيما عندك واخترته لمناجاتك. يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة، وسُبحات وجهه لقلوب عارفيه شائقة، يا منى قلوب المشتاقين، ويا غاية آمال المحبين، أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يوصلني إلى قربك وأن تجعلك أحبّ اليّ من سواك ولا تصرف عني وجهك.

اقرأ أيضاً: اللهم عفوك يا كريم.. علي عفانة وآذار المقصوف

دعاء:
رأيت يا رب إلى نبيك نوح عندما جرت سفينته في جبال الموج كيف افتقد ابنه وناداه لينجو.. وكان ابنه عاصياً، وعزتك يا رب لئن ناديتني وأنا عاص فلن أعتصم بجبل ولا بحبل غير حبلك.. يا رب.. اعصمني.. املأني بمحبتك، علمني، وحببني إلى عيالك.. كل عيالك.

سؤال:
هل يستطيع فرد أو افراد من دين آخر أو مذهب آخر أن يأتوا لماماً أو دوماً إلى أماكن العبادة والتعليم الديني لأديان أخرى ليتعلموا أو يتعظوا أو يعرفوا ويحبوا ويعودوا إلى أهلهم وعباداتهم موصولين بمن وراءهم وأمامهم وحواليهم من خلق الله وتصبح عبادتهم من أجل الجميع مع الجميع ؟ هل يمكن أن يكون الله لواحد؟ إن الواحد تكتمل وحدانيته بالجميع، والجميع هم المعادل الموضوعي والتاريخي للواحد.. هل يدخل المسلم الجنة لأنه مسلم؟ هل يمكن أن نسأل هذا السؤال والسؤال الموازي له أو المتفرع عنه.. أو نجيب عليه من دون أن نتحسس أعناقنا وألسنتنا وأرزاقنا؟

(من كتاب “في وصف الحب والحرب”)

 

آخر تحديث: 22 يناير، 2019 11:38 ص

مقالات تهمك >>