انتشار الحوزات العلمية النسائيّة

ملفت جداً عدد المعاهد الدّينية المخصّصة لتدريس النساء العلوم الحوزويّة، التي استُجِدَّت في الآونة الأخيرة!

يجيب سماحة العلاّمة السيد محمد حسن الأمين: من حيث المبدأ فإنّ التوفّر على المعلومات الدينيّة ـ بل والتوسّع في هذه المعلومات ـ قد يكون أحياناً من الواجبات الشرعيّة التي لا يختلف فيها الرجل عن المرأة باعتبار أنّ كليهما مكلّف، وأنّ طلب العلم ـ كما في الحديث ـ فريضة على المسلم الذي يشمل المسلمة، وهذا أمر لا خلاف فيه، بل ربما تبدو ظاهرة إقبال بعض النّساء على طلب العلوم الدينيّة في هذه المرحلة من تاريخنا المعاصر مظهراً إيجابياً، ولكنني ومن وجهة نظري، فأنا لا أرى أنّ الإسلام يقرّ مبدأ ما اصطُلح على تسميته (برجل الدّين) وخاصّةً عندما تصبح كلمة رجل الدين تعبيراً عن طبقة من الرّجال لا عمل لهم سوى الشؤون الدينيّة، بل هم يتعيّشون على هذه المهنة، ففي الإسلام ـ بنظري ـ أنّ كل مسلم هو رجل دين، نعم هناك ما يمكن أن نسميه بـ (عالم الدين) ووفق فلسفة الإسلام، بل حتى وفق بعض العصور الإسلاميّة فإنّ عالم الدين لم يكن يعتاش من هذه الصفة، فتصبح هذه الصفة مهنة، وليست رسالة، ومن المعروف تاريخياً أنّ الكثير من علماء الدين والشريعة البارزين كانوا يمارسون أعمالاً أخرى يعتاشون منها.

اقرأ أيضاً: الألقاب الحوزوية… ألقاب التفخيم والإجلال والعظمة

وهذا ما عزّز مقولة أنه لا أكليروس في الإسلام، التي تعني مهنة رجل الدين في المسيحيّة وتذكر بأن المجتمع المسيحي الغربي خاصّةً نشأت فيه طبقة اجتماعيّة اسمها الإكليروس، وهي بحكم مصالحها كانت تتحالف مع طبقة النبلاء والأغنياء، وهذا ما لا يصحّ فيما يتعلّق بالمضمون الرسالي لمهنة عالم الدين في الإسلام.

ولكن بكلّ أسف فإنّ شيئاً غير يسير ممّا اقترفته الكنيسة في تكوين طبقة من الإكليروس قد تسرّب إلينا نحن المسلمين، وصار لدينا ما يشبه هذه الطبقة، وبما أنّ المجال في هذه المداخلة لا يتّسع للشرح والتفصيل حول ظاهرة رجال الدين في الاجتماع الإسلامي، وأنّ المقصود من هذه المداخلة إبداء الرأي حول الاتجاه المستجد والذاهب إلى تعميم مهنة رجل الدين المقتصرة على الرجال، تعميمها على النساء، ليصبح لدينا أيضاً طبقة من النساء لا أدري ماذا أطلق عليها، وهل يصحّ أن نقول مثلاً: أنّ لدينا نساء عاديات ونساء دين!

وهذا ما لا أراه مفيداً لأنّه يتجاوز الحدود المطلوبة من توفير عدد من العلماء في المجتمع، وليس توجيه غالبية المجتمع أو كثرةً كاثرةً منه للتخصّص في علوم الدين ﮋﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﮊ فإنّنا نلاحظ أنّ القرآن الكريم يشير إلى أنّ المطلوب هو نفر محدود من الرّجال، وحتى لو كان ذلك يتضمّن التوجه إلى النساء فإنّ المطلوب أن تبقى هذه الفئة محدودة وأن تكون مهمّتها الرساليّة هي تبليغ الدين، وليس الاعتياش على مهنة الدين إذا صحّ التعبير، وإنّني لألاحظ بسبب المبالغة في انتشار ما يسمى (حوزات دينيّة للنساء) أنّ ظاهرة امتهان الدين، وخاصّة قراءة التعزية، وأداء بعض الطقوس سواء ما كان منها مشروعاً أو غير مشروع، بدأت هذه الظاهرة تتجلّى في عدد كبير من نساء مجتمعنا، ولا أريد أن أتحدّث هنا عن أولئك النّساء المدّعيات المعرفة الدينيّة بالقيام ببعض الشعوذات وكتابة الأحراز وتقاضي الأجور من بسطاء الناس على مثل هذه الأعمال.

اقرأ أيضاً: العلاّمة الأمين.. المرحلة التي يستحسن فيها لبس العمامة

وبالخلاصة فإنّي لا أذهب إلى القول بإبعاد المرأة عن مجال العلوم الدينيّة لا بدّ أن يكون ذلك ضمن تنظيم تشرف عليه مؤسسات كفوءة ومخلصة وقادرة على اختيار أعداد محدودة من النساء يملكن الكفاءات الدينيّة والفكريّة للتخصص في مجال العلوم الدينيّة، إذ بدون وجود هذه المؤسسات فإنّ بوسع كل امرأة تمتلك قدرة على الحذلقة وترديد بعض الشعائر وحفظ بعض المجالس أن تصبح لها مرجعيّة دينيّة، خاصّة في مجتمع ما زال الكثير من النساء وحتّى الرجال فيه يؤخذون بهذه الحذلقات والشعوذات، ويقبلون نسبتها إلى الدين، والدين منها بُراء!

وهذا ما يجعلني أخالف الاتجاه الذي يريد المبالغة في تعميم الدراسات الدينيّة على كلّ من يريد ومن يرغب بغضّ النظر عن دوافعه التي تكون في أكثر الأحيان غالباً رغائب في سبيل العيش وتحصيل المال.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 21 يناير، 2019 2:08 م

مقالات تهمك >>