الجمّال: زراعة التبغ في الجنوب اللبناني…بلا مستقبل!

ترافق تاريخ المزارعين في الجنوب بتاريخ شتلة التبغ، ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي، والمزارعون سعوا لتحسين أوضاعهم المعيشية من خلال الاعتماد على إنتاج التبغ.

محمد نجيب الجمال مزارع ومناضل نقابي قديم، ساهم في تأسيس نقابة مزارعي التبغ في الجنوب وشارك في انتفاضة عام 1973 وكان من قياداتها:

يقول الجمال: زراعة التبغ في الجنوب أساسية وقد وصلت مساحة الأراضي المزروعة تبغاً إلى نحو 75% من الأراضي المزروعة تبغاً في لبنان وإذا كانت زراعة التبغ تحتل 82 ألف دونم في لبنان فإن 70 ألف دونم منها في الجنوب.

ويضيف: تطورت هذه الزراعة، خصوصاً أنها عمل عائلي، فقد كان رب العائلة وأفرادها يشاركون في عملية الإنتاج من الزراعة إلى التوضيب، وقد استند إليها المزارعون لأنهم يقبضون المال مباشرة عند تسليم المحصول، وهذا ما دفعها إلى الازدهار والتطور خصوصاً في سبعينيات القرن الماضي وصولاً إلى عام 1975، حيث بدأت بالتراجع بسبب الحرب الأهلية الداخلية والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي الجنوبية.

اقرأ أيضاً: هل تتحوّل زراعة الزعتر الى زراعة بديلة؟

طلب مرفوض

وحول أسعار التبغ، يشير الجمال إلى انخفاض سعر التبغ اليوم مقارنة إلى ما قبل 1975. ويقول: معدل سعر الكلغ الواحد من التبغ اليوم هو 12 ألف ل.ل. وقيمة هذا المبلغ اليوم أقل بكثير من سعر الكلغ الواحد عام 1975، وهناك أيضاً تغيير بمالكي الرخص فإن 10% من المالكين كانوا يحملون 50% من رخص زراعة التبغ في السبعينيات، في حين أن 25% من المزارعين يملكون حالياً 20% من رخص الزراعة وباقي المزارعين يملكون رخص زراعة ما بين 1 أو 5 دونمات. وقد طالبنا بإعطاء رخص للمزارعين تسمح لهم بزراعة 5 – 20 دونم، لكن المطلب رفض مع العلم أن هذه الرخص توزع على كبار السياسيين والوجهاء ليجري توزيعها على المحاسيب وليس على المزارعين، حتى أن أحد الأطراف السياسية يوزع رخصة لكل من يزرع 5 دونمات.

اقرأ أيضاً: فوائدها الطبية خارقة: زراعة «القصعين» تزدهر في لبنان

وحول الأسعار الرائجة اليوم يوضح الجمال استطعنا عام 1992 الحصول على زيادة أسعار التبغ فوصل السعر إلى 14 ألف ل.ل. للكلغ الواحد والسعر الوسطي 12 ألف ل.ل.، وهو السعر الذي ما زال معمولاً به حتى اليوم بعد 26 عاماً من إقراره وعلى الرغم من الارتفاع في أسعار كل شيء.

وحول تجربة التصنيع، يقول الجمال: يدعى التبغ الموجود بالتبغ البلغاري وكانت الشركات الأجنبية تستورده وفي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات نشطت عملية تصنيع التبغ ولكن تعرضنا إلى ضغوط أميركية لوقف التصنيع من أجل تسويق الإنتاج الأميركي وهذا ما حصل، واليوم لا حل للمشكلة سوى بتعزيز صناعة التبغ وشمول المزارعين بخدمات الضمان الاجتماعي.

وحول رأيه بزراعة التبغ وتطورها، يرى الجمال أن هذه الزراعة، وبسبب سياسات السلطة القائمة لا مستقبل لها.

شؤون جنوبية 169
حالتان زراعيتان

وإذا كان رأي الجمال بزراعة التبغ أنها زراعة لا مستقبل لها فماذا عن الزراعات الجنوبية الأخرى؟

يشرح الجمال رأيه قائلاً: كان إلى جانب زراعة التبغ حالتان زراعيتان، الأولى على الساحل المروي وأساسها زراعة الحمضيات التي انتعشت بعد هجرة الفلسطينيين إلى لبنان وصار هذا القطاع يستوعب 45 ألف عامل زراعي معظمهم فلسطيني، واستمر ازدهار هذا القطاع إلى ما بعد الحرب الأهلية الأولى، ولكن بعد الحرب جرى تعليق الرزنامة الزراعية ودخلت الحمضيات السورية الأسواق بشكل واسع، وبعد الحرب في سورية تقطعت المواصلات ووجهت ضربات قوية لهذا القطاع مع العلم أن معظم مالكي أراضي الساحل من مناطق لبنانية مختلفة.

ويضيف الجمال: أما الحالة الزراعية الثانية فكانت الأراضي الواقعة على ارتفاع 600 – 800م وهي أراض زرعت حبوباً مختلفة مثل القمح – الشعير – العدس – الحمص وكانت محاصيلها هائلة، وكان تجار بيروت يحصلون عليها من سوق بنت جبيل، ولكن بعد دخول المكننة إلى هذه الزراعات صارت كلفة الإنتاج أعلى من قيمة الإنتاج وتحولت هذه الأراضي إلى أراضٍ بور.

ويختم الجمال قائلاً: أسباب مختلفة أدت إلى تراجع الزراعة في الجنوب وسيرها نحو الاضمحلال. وعلى رأسها غياب سياسة زراعية وطنية تحدد احتياجات السوق الداخلي والقدرة على المنافسة والبحث عن أسواق خارجية، كذلك الاحتلال الإسرائيلي المديد وارتفاع نسبة الهجرة بين الشباب والتحاق قسم من القوى العاملة بالميليشيات والتحول من زراعة إلى أخرى وتحول القرى والبلدات إلى أماكن مهجورة. كل هذه الأسباب تدفعني إلى القول أن الزراعة في الجنوب إلى غياب.

(هذه المادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 169 خريف 2018)

آخر تحديث: 18 يناير، 2019 3:59 م

مقالات تهمك >>