النائبة الطبش تعتذر من الله… والديّانون لا يقنعون!

يشهد المجتمع اللبناني على نفسه أنّه مجتمع ادّعاء ومزايدة، وإن كَثُرَ في أوساطه حاملو الشهادات العلمية؛ فالعلم الذي لا يزاوج المعرفةَ ولا يلِجُ مرتبةَ العمل يقترب بصاحبه إلى الجهل.

وقد “فضح” هذا المجتمعَ موقعُ “تويتر” الذي يُعتبر الحديقةَ الخلفيّةَ لكثيرٍ من قياداتِ الرأي…حيث يُساكنون العامة من الناس، ويعتمدون خطابهم، ويتداولون مفرداتهم. هناك، تستعر همم “جمهور” أشبه بحاطب ليلٍ، من دون مصطلحات موحّدة، ولا مفاهيم علمية تستقيم في توصيف الواقع وتحليله، بل أهواءٌ تتّبع، وإسقاطاتٌ تتجلّى وسط احتدام النرجسيّات، بعيداً عن “كليشيهات” الحوار ومعرفة الآخر…والنفس!

الشاهد أمامَنا “قضيّةُ” نائبة حزب المستقبل اللبناني رلى الطبش التي وضعت هذا المجتمع “الافتراضي” والواقعي، بثقافته وحواره، موضع اختبار، حين أطلقت بغير إرادةٍ منها عاصفةً من الاستقطاب، مستترةً وسافرةً، خلفَ واجهةٍ حواريةٍ، وطنيةٍ، مدنيةٍ مدّعاة. فقد شاركت “الطبش” في احتفال مسيحيّ بمناسبة رأس السنة الميلادية 2019، ودنت من الكاهن لتتناول القربان، فكان ما كان، ثم أعلن كثيرون رفضهم مشاركتَها في القدّاس، فيما أعلن بعضٌ آخر تأييدَهم لها، ثمّ اعتذرت، فأيّدها من عايرها، ورفضَ آخرون، واختلط “حابلَهم بنابلِهم” كما اختلط على أصحاب علي أمر التحكيم في “حرب صفين”…

اقرأ أيضاً: موقعة الكنيسة ورولا الطبش… وعوامّ يقودون المرجعيات!

في ملاحقة مشاركات المسلمين في تناول القربان، عُدنا إلى تاريخٍ سابقٍ، إلى “ساحل العاج” حيث رصدت جريدة “لوريان لو جور” السيدة رندة عاصي برّي تتناول القربان من يد كاهن الكنيسة، وهي من تمثّل في وسط المسلمين الشيعة!

وفي شهر نيسان من عام 2015، في أثناء تشييع الممثل الراحل عصام بريدي، شهدنا تناول الفنان اللبناني زياد برجي القربان من يد كاهن مسيحي، ما أثار ردود فعل مسيحيّة يومها ضدّ الكاهن الذي قدّم القربان إلى البرجي، باعتبار القربانِ واحداً من الأسرار المقدّسة لدى الطوائف المسيحيّة، وثمّة شروط لتناوله، أحدُها أن يكون الفردُ قد تعمّد وفق طقوس كنسيّة صحيحة.

وغير أولئك كثيرٌ، ممن أفاضوا في الحديث عن ذكرياتهم وتجاربهم في الكنائس والمناولة، وهم في ذلك أحرارٌ، وأرباب الكنيسة أدرى بما يفعلون.

إذاً، وبغض النّظر عن الملأ الأعلى من المسلمين، الذين لهم معايير “الطبقة” التي ينتمون إليها في السلوك والالتزام، ثمة تديّنٌ شعبيٌّ مسيحيٌّ حمل على “تسامح” مسلمين في ممارسة طقوس مسيحية. لم تكن الردود المنفعلة يومها آتيةً من الجانب المسلم التوحيديّ بل من “أهل البيت” المسيحي، وكانت نقمةٌ على ابن البيت المؤمن بالثالوث، لأنّه أساء إلى “النعمة” التي لم تنزل في الجسد المزكّى لاستقبالها.

وفي مقالٍ حول حادثة الفنان برجي يقول أحد الكتّاب: “قد يرى البعض في ما حدث تعبيراً عن نية صالحة، ونحن لا نشكّ بذلك، وقد يرى آخرون أن في ذلك رمزاً للتعايش المشترك، ولكن قد يرى البعض الآخر – وهذا البعض الآخر قد يكون الأكثرية – أن في ذلك صفعة للقانون الكنسي وقدسيّة جسد المسيح”.

والكاتب، وإن لم يجرّد المسلم من إنسانيّته والإيمان الجزئي، يقول: “قد يكون الشخص المسلم مستأهلاً أكثر من عدد كبير من المسيحيين لأن يتناول جسد الرّب، ولكن هذا لا يعني أنه يمكن اختراق قوانين كنسيّة بالغة الأهمية، ليُصبح جسدَ الرّب مباحاً لمن أراد”.

ثم يَطرحُ سؤالاً ليؤكّد مسؤولية الكاهن في التحقق من هوية المتناول للقربان، فيكتب: “هل كان الكاهن يعرف من هو الممثل قبل أن يمنحه جسد الرب؟”.

ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ يأخذ كاهن أرثوذكسي على أبناء مذهبه سماحهم لأبنائهم تناول القربان لدى الكهنة الكاثوليك ويقول: “يبرّر أهل الأولاد الأرثوذكس ممارسة أولادهم للمناولة الأولى عند الكاثوليك …لكنّها مبرّرات واهية ضعيفة تتضمّن كفراً بالقربان المقدّس في كنيستهم”.

وفي حوارِ بعضِ المسيحيين الحلبيين، يعيب أحدهم تناول المسلمين للقربان في إحدى الكنائس، فيقترح الكاهن على “المؤمن” أن يُعلِم المسلمين باختلاط القربان بالخمر، فلا يقتربون منه باعتبار الخمور محرّمة في الشريعة الإسلامية!

بالعودة إلى موضوع النائبة الطبش في عام 2019، بعد أعوام من حادثة الفنان برجي، دنت من الكاهن لتتناول القربان، ضمن مراسم دينية مسيحية احتفالية، فرفع الكأس فوق رأسها، ولم يُناولها، فكانت موجة من الانتقادات في وجه النائبة، وطالبها البعض من جمهورها بالاعتذار، فأخذت على أولئك عدم تسامحهم، واعتبرت ألا داعي للاعتذار عن “المحبة” التي عبّرت عنها، وكتبت: “أستغرب كيف أنّ احترام حرية المعتقد المصانة بالدستور تتحول إلى متاريس لدى البعض من أجل التعبير عن حقده الدفين لغايات معروفة. إن الطقوس واحترام عادات الغير لا تلغي الإيمان الداخلي، ولا تجعل المسلم كافراً، خصوصاً أنّ مشاركتي في الطقوس (القداس) ليس إيماناً بها بل احتراماً للمؤمنين بها، وبكل الأحوال لبنان لا يقوم إلا بجناحيه المسلم والمسيحي”.

وبالرغم من توضيح الطبش الذي حفل بالسياسة أكثر من انصبابه على الموضوع مثار الجدل ـ وتلك عادة لبنانية ـ فإنّ جماعةً من الناشطين لم تقتنع بتبريرها، فكتب واحدٌ منهم: “من الآخر، المشكلة مش بالحضور، بس باللي صار وعملته..بعدين للأسف النائب رولا الطبش بدها تبرر اللي صار بس بدل ما تكحلها عمتها..واذا اقتنعنا بتبريرها يعني صار كل واحد حر يفتح دين على حسابه.يا عيب الشوم”.

وكتبت مغرّدة تقول: “انتم ترونه انفتاحا، ونحن نراه لا يجوز، ليس من باب عدم احترام الاديان.

نحترم كل الاديان وكل الانبياء. لا يجوز لمسلم قط ان يمارس شعائر دين غير دين” وختمت بالدعاء للطبش بالهداية.

وباعتبارها تنتسب إلى حزب المستقبل، الذي يروّج للاعتدال في الساحة الإسلامية واللبنانية، خاطبها البعض بالقول: “لا مش هيك يا رولا الاعتدال ……. النائبة عن المقعد السني رولا الطبش تقوم بممارسة طقوس كاثوليكية في إحدى الكنائس حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق”.

في المقابل، كان ثمة “عصافير” تغرّد دعماً للنائبة المتورّطة، وترى في فعلها اعتدالاً وانفتاحاً، فكتبت واحدة: “أطيب تحياتي لكِ لانفتاحكِ ولاحترامك الآخر؛ قولاً وفعلاً وممارسة…لقد سَئِمنا من المُنافقين الذين يُنادون بالحوار وتَقَبّل الآخر.. ولكنّهم يُمارسون خلاف ما يقولون! رولا الطبش تمثّل النموذج للمسؤول اللبناني المسلم الذي ينسجم مع طروحات الانفتاح والتواصل”.

وزاد البعض من مستوى دعمه ليصبّ في رصيد الحاقدين، فكتب:

“للأسف الشديد ما حصل مع النائب رولا الطبش جارودي النائبة في المجلس النيابي هوى ادنى درجات الانحطاط و النجاسة”.

وسط عاصفة الردود المتقابلة، روجعت النائبة الحقوقية من جهات عليا، فلم يكن منها إلا أن زارت دار الإفتاء في الجمهورية اللبنانية عن “طيب خاطر”، حيث أعادت النطق بالشهادتين معلنةً اعتزازها بالدين الإسلامي. فهي وإن لم تُعلن “تنصّرها”، وإن لم يُعلن دار الإفتاء خروجها من “الملّة” إلا أنّها اعترفت عملياً بعظيم ما قامت به، إذ احتاجت إلى ترديد الشهادتين أما شاهدين من أركان الدار في جلسة شرعية مكتملة الأركان…

وورد في أخبار الإعلام والصحافة أنّه بعد الهجمة عليها “زارت نائبة بيروت دار الفتوى، واستمعت إلى شرح عن الأصول الشرعية الإسلامية من أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية الشيخ أمين الكردي، والمدير الإداري لدار الفتوى الشيخ صلاح الدين فخري، بتوجيه من مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان. ثم أكّدت الطبش في بيان أنها ملتزمة بالإسلام، ونطقت بالشهادتين أمامهما لتأكيد “اعتزازها بدينها الإسلامي وبمرجعيتها دار الفتوى”.

وأكدت (الطبش) أنها “ملتزمة الإسلامَ ونطقت بالشهادتين أمامهما لاعتزازها بدينها الإسلامي وبمرجعيتها دار الفتوى، وانطلاقاً من ذلك أن ما حصل معها وأثار حفيظة البعض لم يكن مقصوداً”، واعتذرت “من الله عز وجلّ عن ذلك، وجلّ من لا يخطئ، والله غفور رحيم بعباده، وجزمت بمتابعة التزامها الشريعة الإسلامية على هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم”.

وشدّدت على “توجيهات دار الفتوى بالانفتاح على الآخر والتعامل بالحسنى مع كل ​الطوائف​ كما يأمر ديننا الحنيف، مع مراعاة الضوابط الشرعية”، وشكرت “دار الفتوى وإعلامها وكلّ من ساهم في توضيح هذا الأمر من مختلف القيادات السياسية، خصوصاً ​تيار المستقبل​ والأحزاب والقيادات الثقافية والدينية والنقابية والجمعيات والهيئات والمراكز الإسلامية في ​بيروت وفي كل المناطق اللبنانية”.

وهنا كانت الطامّة الكبرى في تعبير الطبش عن “الاعتذار” وما يحمله من دلالات لم تُرضِ الثائرين، كما لم تُرض الداعمين، وبدل الكحل أهدت الواقعةَ العمى!

ليس المجال للحديث عن معايير اختيار النواب اللبنانيين، ولا عن مميزاتهم، بل عن حالة خاصّة مشهودة هي النائبة رلى الطبش التي لم تقدّر موقفها، ولا صفتها، ولا المناسبة وخصوصيتها، ولا رؤيتها الدينية، فأمكنت “عدوها” من نفسها، ولم تنصر “محبّها” بفعلتها، فما ربح بيعُها!

أمام هذا الواقع، كان جمهور “التواصل الاجتماعي” و”العالم الافتراضي” يُخرج كلّ مكبوتاته واعتقاداته وثرثراته، فباعتقاد البعض أن عالم “تويتر” عالم الهذيان، وخطابه أشبه بالجنون، وقد أخرج كلام الحانات من بين الجدران المغلقة إلى صفحات التواصل؛ وعلى حدّ وصف بعض أبنائه فإنّه ليس سوى “عصفورية حقيقية”. وإن كان سعيد تقي الدين قد وصف الرأي العام بما وصف، فما حال “الموتوتين” لو شهدهم تقي الدين اليوم؟!

يبدأ مسلسل التغريدات بـ “الأنا” المتضخّمة التي تفرض على جميع الموتوتين الإدلاء بآراء قاطعة لا وهن فيها، حيث تكون الأحكام مطلقة في تبنّي أو رفض فعل النائبة، ومن دون النظر إلى حيثيات الفعل والواقعة.

وقد يكون المجال الافتراضي مساحةً لتصفية حسابات العالم الواقعي؛ وكلّ مغرّد وصاحب حساب، وفق معايير السوق الافتراضية، قد جعل نفسه عالماً في كلّ الأمور والمجالات ومفتياً في صغائر الأمور وكبائرها، لا يأخذ عليه أحدٌ خطأً أو مؤاخذة…. ولا معيار في الصحّ والخطأ إلا “أنا” الموتوت، حتى لو جلّله الخطأ من رأسه إلى أخمص قدميه!

فهنا حشد من الفاهمين يقطعون بأنهم تناولوا مرات كثيرة، فكيف تُخالف النائبة سيرتهم الشريفة؟!

وهناك حشد آخر يستشهدون بالإمام الصدر ودخوله كنيسة الكبوشيين وإلقائه خطاباً وطنياً جامعاً!

بل حشد البعض من أصحاب الألقاب العلمية أحاديث وأخباراً تاريخية لإثبات موقفه الداعم للنائبة الطبش، في وقت تنصرف الدلالة إلى معنى محدّد، لا يُفضي إلى تطابق مع واقعة المناولة الشهيرة…

اقرأ أيضاً: الطبش: أؤيد وأتبنى أي اقتراح قانون يساهم بوقف العنف ضد المرأة

في المقابل، سيكون الويل للّذي يرفض مواقف الموتوتين والجيوش الإلكترونية؛ فالتهمة جاهزة، خصوصاً إذا جاء الرفض من جهة إسلامية، حيث الحكم هو “الداعشية”؛ وذلك رفض صريح لحرية الآخر واعتقاده، وإن لم يَشبْ كلامه أو نصّه شبهة عنف أو إجرام…

لم يُناقش أحدٌ ممن قرأت لهم، ومنهم كثير قد تهاوى بمستواه إلى رتبة “موتوت”، مفهوم المناولة من خلفيّة دينية ومعرفية مسيحية، ولا من زاوية نظر المؤسسة الدينية وأحبار الكنيسة، بل جاء ببنات أفكاره، وخلط بين مفاهيم محتلفة، كالدين والتديّن والتسامح والوحدة الوطنية….وكأنّ مفهوماً أو ممارسة يتناقضان مع مفاهيم وممارسات أخرى لمجرّد موقف اتخذه بعض الناشطين، من دون الحاجة إلى جهد لإثبات المعادلة.

وسط هذا الجوّ الضاغط دعماً وتبريراً ورفضاً، والمحتقن بالمشاعر الطائفية المصرّح بها، والمسكوت عنها، تشتدّ الحاجة إلى الحوار الإسلامي – الإسلامي، وإلى الحوار الإسلامي – المسيحي، وصولاً إلى تعزيز المعرفة المتبادلة، والتعمّق في فهم الآخر، وتحديد القواسم المشتركة ونقاط التباين، بغية تنظيم الحياة الثقافية والاجتماعية وتفادي التشنّجات والصدامات العبثيّة. ولا بأس في أن يكون الحوار عقائدياً واجتماعياً، لأن الواحد منهما يُفضي إلى الآخر ويعزّزه، وفق منطق التعارف والتلاقي والتعاون لا وفق منطق الدفع والعدوان، خصوصاً بعدما كشفت واقعة الطبش، وقبلها الكثير من الوقائع مدى الجهل المنتشر على مستويات كثيرة وفي بيئات شديدة الاختلاف…

آخر تحديث: 19 يناير، 2019 3:09 م

مقالات تهمك >>