الألقاب الحوزوية… ألقاب التفخيم والإجلال والعظمة

يجيب سماحة العلامة السيد محمد حسن الأيم عن سؤال: هل من أساس للألقاب التي تطلق على علماء الدّين في الحوزة العلميّة راهناً؟ فيقول:
أما لجهة الألقاب التي تعطى لعلماء الدين في عصرنا فهي تذكرني بالألقاب ـ ألقاب التفخيم والإجلال والعظمة ـ التي توضع على الكتب وذلك في عصر الانحطاط، والتي تسبق اسم المؤلّف، الأمر الذي يشعر ذوي المعرفة والأصالة والفكر أن المبالغة في مثل هذه الألقاب ليست إلا محاولة لتغطية الكثير من الجهل والفراغ في مثل هذه الكتب، أو كأني بها مظهر من مظاهر التنافس والتزاحم بين المؤلّفين في إطلاق الألقاب الفخمة والادعاءات المبالغ فيها، وهي في نظري ليست من الخلق الإسلامي والديني في شيء.

اقرأ أيضاً: الأمين: «رجل دين».. تكاد تكون المهنة الوحيدة التي لا يسبقها عملية تدرّج وتمرين

وهي كما أشرتُ ارتبطت فيما نسميه عصور الانحطاط بدليل أن هذه الألقاب لم توجد قبل ذلك، أي في عصر النبوة ولا في عصر الخلافة، ولا في عصر النهضة العلمية والفقهية والمعرفية، بل كان الكتاب بالكاد يحمل اسم صاحبه على أهميّته، هذه الكتب التي شكلت أساساً لعصر النهضة في العصر العباسي وقبل انهيار الدولة الإسلاميّة وبدء عصر الانحطاط الفكري والأدبي.
أريد هنا على سبيل الطرافة أن أذكر حادثة رواها لي الصحافي العالمي الكبير محمد حسنين هيكل، وهي ذات دلالة بليغة على هذا الصعيد وعلى صعد أخرى، قال لي إنه في الستينات طلب موعداً من الرئيس الأميركي فحدد له موعداً بعد ثلاثة أيام، وعندما دخل إلى البيت الأبيض لم يقطع من المسافة سوى الباحة التي يفضي إليها الباب الخارجي وصولاً إلى مكتب الرئيس المتصل بهذه الباحة، حيث وجد الرئيس واقفاً على الباب ينتظره، وبعد فترة قصيرة من لقائه بالرئيس الأميركي طلب مقابلة مع الملك الأفغاني() ـ آخر ملوك الأفغان في السبعينات ـ وأخذ يروي لي مطولاً عن الإجراءات الطويلة التي استمرت أسابيع طويلة من الزمن ليحدد له الموعد أخيراً، فيذهب إلى (كابول) فيستقبلونه في أحد فنادقها حيث استمر مكوثه أكثر من سبعة أيام لكي يحين موعد المقابلة، وعندما اصطحبوه إلى القصر كانوا ينقلونه من صالة إلى صالة إلى صالة أخرى ومن غرفة إلى غرفة أخرى، وقد استمر الأمر ساعات، حتى أدخلوه أخيراً على هذا الملك المتربع على عرشه، والذي لا يملك من شؤون السلطة والهيمنة والقرار عُشْرَ معشار ما يملكه الرئيس الأميركي.
وبعد أن انتهى من هذه الرواية قال معلّقاً إن الدول كل ما كانت متخلّفة كلما تضخمت إجراءاتها وبروتوكولاتها الفارغة، وكلما كانت متقدمة كلما تخلت عن كل أشكال البروتوكول الزائدة.

اقرأ أيضاً: العلاّمة الأمين.. المرحلة التي يستحسن فيها لبس العمامة

وذكر لي كمثال آخر، أنه طلب موعداً من الرئيس الفرنسي، فحدد له في نفس الليلة موعداً ولكن ليس في القصر الجمهوري وإنما في أحد مطاعم باريس paris ، حيث جلس معه أكثر من ساعتين، في مطعم لم يلاحظ هيكل أن رواد هذا المطعم قد اهتموا أكثر من اللازم بوجود رئيسهم في المطعم.
ذكرت هذه الطرفة لأشير إلى أن السمة التاريخية للعصور التي تمر بها الأمّة هي أنها تنبذ الألقاب المبالغ فيها في حال غناها وتقدمها، وتتمسك بها لدى شعورها بالانحطاط والفراغ، وقد تصل الأمور كما في العصر التركي إلى بيع الألقاب والمتاجرة بها.
ثم إنني لأتساءل: كيف يجيز عالم ورع وشيخ كبير وفقيه أصيل وزاهد في زينة الدنيا أن توضع له هذه الألقاب الضخمة الفخمة، والتي هي مظهر من مظاهر التنافس على المواقع الدنيوية، لأن من ينافس غيره على الموقع الأخروي ـ أي على الجنة والثواب ـ فينبغي أن لا يحفل بأشكال التعظيم، بل يغضب إذا لم تعطَ له مصطلحات التعظيم والتفخيم والأوحدية والأعلمية!

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 14 يناير، 2019 2:54 م

مقالات تهمك >>