السوريون يرشّون الملح على خيامهم… وجروحهم

اللاجئون أو النازحون السوريون كما تحب السلطة اللبنانية ان تصفهم، تغرق خيامهم بمياه الشتاء مع كل موسم أمطار، واذا كان اللبنانيون من أهالي البقاع يشكون قلة الدفء في منازلهم، فلنا ان نتخيل حال من يجاورهم اليوم من السوريين القاطنين داخل خيم يكسوها الثلج.

حين تطرح الطبيعة غضبها على البشر، ليس أمامهم إلا المقاومة. لذا اتخذت البشرية منذ وجودها طرقاً كثيرة للحفاظ على بقائها أمام تبدلات الطقس. وفي بلدٍ مثل سوريا، أعادته ظروفه السياسية عشرات السنين إلى الوراء، لم يعد مستغرباً أن يقف السوري مثل العاجز حتى أمام الثلوج. لاسيما في دول الجوار التي ضمت قسماً كبيراً من اللاجئين وتفاعلت مع قضيتهم بشكل دولي بين مساومة لجني رقم أكبر من المساعدات، وتعزيز موقعها الإقليمي والعالمي كدولة مؤثرة في المستقبل السوري والمنطقة.

اقرأ أيضاً: العاصفة في عرسال.. وصرخة النازحين السوريين

لكن مع كل شتاء جديد يطل على المنطقة، يظهر عٌري الحكومات المستضيفة للاجئين في تأمين أبسط مقومات الحياة للهاربين من جحيم الحرب، حيث أقيمت المخيمات الرسمية منها وغير الرسمية في مناطق مفتوحة دون أرضية مناسبة للبناء أو خدمات كهرباء ومياه وصرف صحي، وفي مخيم الركبان القائم على الحدود السورية الأردنية أكبر مثال على الاختيار السيء لمناطق إقامة المخيمات، حيث يعاني أطفال هذا المخيم من أمراض معوية عديدة نتيجة شربهم لمياه موحلة فضلاً عن إقامتهم في العراء ضم نما يمكن وصفه قلب بادية الشام. حال الزعتري المجاور للركبان في الأردن ليس مختلفاً تماماً رغم أنه أكبر مخيمات الللاجئين السوريين من حيث العدد وبات من الأكبر عالمياً ضمن مخيمات اللجوء. ومع توفر شروط أفضل للعيش في الزعتري كونه أخذ بالتوسع بشكل تدريجي وشبه منظم إلا أن المنطقة المناخية التي يقع فيها المخيم تجعله الأشد برودة كونه يقبع في صحراء محافظة المفرق الأردنية بحيث تنخفض درجات الحرارة في تلك المنطقة بين ساعات النهار والليل بشكل
صارخ.

أما في لبنان، وفي ظل عدم نية السلطات السياسية تسمية السوريين بصفة اللجوء وحصرهم في نطاق مفردة “النازحين” تجنباً لتكرار قضية وجود اللاجئين الفلسطينين في لبنان، واستنساخ تجربة اللجوء مرة أخرى في بلد اقتصاده منهك بالديون والأزمات، تواجد اللاجئون السوريون في مناطق متفرقة على امتداد الجغرافيا اللبنانية. إلا أن الأكثر تضرراً من ناحية العواصف هم اللاجئون في مناطق البقاع والذين يقيمون في خيم بدائية لا تقوى على حمل ذرات من الملح الصخري باتو يرشونها لحماية الخيمة من التجمد. فكيف إذاً ستحتمل تلك الخيام كل هذه العواصف بين رياح تجاوزت 90 كم في الساعة، وهطولات ثلجية تلامس ارتفاع 600 متر عن سطح البحر.

وخلال الأشهر الماضية، كانت الساحة اللبنانية قد شهدت موجة من التجاذبات حول موضوع إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. الأمن العام وصف العودة ب”الطوعية” رغم توزيعه منشورات على سكان المخيمات تسألهم فيما إذا أرادوا العودة أو لا. وفي المقابل ضجت وسائل الإعلام المحلية اللبنانية وعلى مدار اسبوعي بإعلان تخصيص أيام للعودة الطوعية إلى سوريا. وبينما كانت وسائل المواصلات في العودة هي الباصات الخضراء التي استخدمها النظام السوري لتهجير معارضيه نحو إدلب، رأى البعض أن لا حل سوى بعودة اللاجئين كون ظروفهم الاقتصادية في لبنان سيئة للغاية، والنيران في سوريا بدأت تنطفئ. فهل كان لبنان يستبق العاصفة في ذلك؟!

اقرأ أيضاً: العار الذي سيلطخ وجه روسيا إلى الأبد

بعد أيام قليلة ترتقب بيروت حضور زعماء الدول العربية لقمتها الاقتصادية، وحيث كانت دعوة سوريا الشغل الشاغل للتصريحات بين الأقطاب السياسية، نأى لبنان بنفسه عن دعوة رئيس النظام السوري في النهاية. لكن بالمقابل كم مرة نأى لبنان بنفسه حقاً؟ وخارطة تدخل حزب الله أزهقت أرواح شبان لبنانيين كما زادت من الشرخ الطائفي في المجتمع السوري. كم مرة نأى لبنان بنفسه حقاً؟ والإعلام يتساءل أين ذهبت الأموال التي قدمت لإغاثة النازحين إذا كانت هذه النتيجة الكارثية مع حلول كل عاصفة؟

قد تكون العواصف في منطقة بلاد الشام ضرورة لاستمرار تواجد الحياة في هذه البقعة من العالم، لكنها بلا شك تعرية لفساد أنظمة يغرق طلابها في السيول كما حدث في الأردن، لتقلب الرياح السيارات وتدمر أنابيب الصرف الصحي فتغرق الشوارع ويرش اللاجئين فوق نكباتهم ملحاً على الجراح غير الملتئمة.

آخر تحديث: 11 يناير، 2019 4:40 م

مقالات تهمك >>