السينما اللبنانية في الـ2018.. بين الشهرة العالمية وغياب الرؤية

وجدت السينما اللبنانية نفسها في السنوات الأخيرة في موقع جديد متقدّم ساهمت في صناعته مجموعة من الظروف المحلية والإقليمية، لعل أبرزها الاستفادة من الكوادر الفنية السورية في الصناعة، وتراجع دور القطاعات الفنية الأخرى في التأثير على مدى أبعد من المحلي، ولا سيما الغناء والموسيقي.

جاءت النقلة النوعية في الأفلام السينمائية اللبنانية كمن يرمي حجراً في مياه راكدة، فمرةً ينشد الجمهور اللبناني لفيلم يحقق أرباحاً توصف من قبل صانعوها بالقياسية ومرة أخرى يقتحم فيلم ما عالم المهرجانات ويحقق مشاركة وتفاعل يشغلان حديث الصحافة، حتى باتت بعض الأفلام في الآونة الأخيرة تنال جوائز عالمية وفي فيلم “القضية 23” أكبر مثال على ذلك.

فماذا إذا اختار القائمون على السينما اللبنانية صناعة فيلم يحرك العصا نحو الجمهور للمتابعة أو يقذف بالشريط السينمائي نحو عروض المهرجانات. من يحدد الوجهة إذاً؟ وكيف استطاع فيلم كـ”كفر ناحوم” أن يدخل السباق من البداية رابحاً في عدد المشاهدين داخل لبنان، حاضراً على سجادة “كان” ومنافساً لبلوغ القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار.

وخلال أيام العام المنصرم تقاطع حدثان سينمائيان يمكن التوقف عندهما لفهم الواقع أكثر، الأول تمثل بالاحتفال خلال شهر تموز 2018 بالسينما اللبنانية في الدورة الـ21 لـ”مهرجان غواناخواتو السينمائي الدولي” (المكسيك) حيث أشار الناقد السينمائي نديم جرجورة إلى ازدواجية الطرح السينمائي في لبنان من خلال عروض هذا المهرجان، فقال في مقال نشرته صحيفة العربي الجديد بتاريخ: 1 آب 2018.

“الاحتفال يُنبّه إلى المفارقة التي تصنع عيشًا يوميًا في بلد (لبنان) يعاني أمراضًا شتّى، لعلّ أبرزها كامنٌ في تلك المفارقة نفسها، المتمثّلة في التناقض الفظيع والخطر بين صورتين متصادمتين بحدّة وعنف، إحداهما مع الأخرى: الأولى سياحية بكل ما تعنيه هذه المفردة من معانٍ ترويجية إيجابية بحتة، والثانية سينمائية بغلبة أساسية للسجاليّ والتفكيكيّ”.

تلا ذلك في شهر إصدار بيان بتأجيل دورة مهرجان بيروت السينمائي بتاريخ 5 أيلول “بضعة أشهرٍ” بسبب “الوضع الاقتصادي الحرج، بالإضافة إلى المخاوف السياسية الإقليمية المتزايدة”. رأى البعض في ذلك تحديدا من النفاذ الدولي للأفلام والاكتفاء بالفعاليات المحلية التي تقام في أرياف المدن أو المراكز الثقافية. فإذا كان الفيلم اللبناني ينتظرعرضاً لائقاً في بلد المنشأ. فماذا عنه في المهرجانات الدولية؟!

كفرناحوم

لنعود بالتاريخ للوراء أشهر قليلة للخلف، حين عرض فيلم “كفرناحوم” في مهرجان كان السينمائي قبل سماع الجمهور اللبناني باسمه، فجأة صعدت المخرجة نادين لبكي على المسرح مع الطفل السوري زين الرفيع بطل الفيلم، لتستلم جائزة لم ينلها فيلم لبناني منذ عام 1991، حيث سبق ونالها اللبناني الراحل مارون بغدادي عن فيلم “خارج الحياة”.

حالة الانسجام بين نادين والطفل زين في رصدها لقصة معاناته ولو اختارت إظهاره كطفل لبناني، استقطبت عدداً كبيراً من المشاهدين الذين دخلوا لمشاهدة فيلم استدعى دموعهم قبل بسماتهم، التي عادت وارتسمت بعد بلوغ الفيلم القائمة المختصرة في جائزة الأوسكار لمسابقة أفضل فيلم أجنبي، وضمت تسعة أفلام من أصل 87 فيلماً في المرحلة الأولى للاختيار.

حال “كفرناحوم” في الترشح يماثل حالة «قضية رقم 23 » للمخرج زياد دويري والذي دخل في نسخة الأوسكار الماضية قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لنيل جائزة فئة أفضل فيلم أجنبي. كذلك دخل الفيلم المنافسة الرئيسة في «مهرجان البندقية السينمائي» وفاز أحد أبطاله الممثل كامل الباشا بجائزة أفضل ممثل.

اقرأ أيضاً: التفاصيل الكاملة للسجال حول فيلم «كفرناحوم» لنادين لبكي!

يقابل كل ما سبق موجة من أفلام شباك التذاكر التي تملأ صورها شوارع بيروت وتنال الحصة الأكبر من الإعلانات التلفزيونية، يقام لها حفلات إطلاق وعروض خاصة ويتولى الأشراف على غالبياتها القصوى آل سنان عبر جمال سنان الأكثر حضوراً وإنتاجاً مع مجموعة أفلام جماهيرية آخرها «تايم آوت» وصبحي سنان مع نجله رائد سنان بفيلم «المهراجا». كما أن الإعلامي المهتم بالسيارات نديم مهنا تحول إلى الإنتاج والأخراج في السينما وقدم أول أفلامه «ساعة ونصف» ثم «مينك إنت»،.

كما قدمت السينما فيلم “مورين” الذي حمل قصة دينية وسوّق بشكل كبير كأول تجربة سينمائية لـ طوني فرج الله.

وبين بوابة الصالة السينمائية ومنصة التكريم، يثبت الفيلم اللبناني حضوره محلياُ ودولياً، لكن مع غياب لتوازن يظهر جدية الصناعة في انتقاء مواضيع الواقع ومعالجتها والمساهمة في عكس صورة نمطيّة مجتزأة عن المجتمع اللبناني لا تختلف عن التي عكستها الدراما التلفزيونية في ذهن الجمهور العربي.

آخر تحديث: 4 يناير، 2019 12:28 م

مقالات تهمك >>