«تفاهم مار مخايل» قاب قوسين أو أدنى من الانهيار؟!

كثيرة هي المطبّات التي اصطدم بها “تفاهم ​مار مخايل​” بين “​حزب الله​” و”​التيار الوطني الحر​” خلال الأشهر القليلة الماضية، وتحديداً منذ ما قبل ​الانتخابات النيابية​ الأخيرة التي افترق فيها “الحليفان” في أكثر من مكان، وصولاً إلى مفاوضات تأليف ​الحكومة​، وما ولّدته من “صدام” بين الطرفين.

 

صحيحٌ أنّ التفاهم كان “يهتزّ” عند كلّ اختلافٍ في الرأي، ولكنّ القيّمين عليه كانوا ينجحون في كلّ مرّة في انتزاع “​الألغام​” المحدقة به والنهوض من جديد، وكأنّ شيئاً لم يكن. إلا أنّ الصحيح أيضاً أنّ ما يشهده التفاهم هذه الأيام لا يشبه أبداً كلّ ما شهده في السابق، في ظلّ الاتهامات المتبادلة بين “جناحيه”، ولو بطريقةٍ غير مباشرة أو علنيّة.

اقرا ايضا: ماذا يريد حزب الله؟

ولعلّ ما يعزّز الهواجس أنّ ما كان مقتصراً على الكواليس، بدأ يخرج إلى العلن، وهو ما تجلّى من خلال اضطرار الجانبين إلى إبرام “هدنة” لتهدئة روع المحازبين والمناصرين على مواقع التواصل، وصولاً إلى “البحصة” التي بقّها ​رئيس الجمهورية​ من ​بكركي​ عن “أعراف جديدة”، قرأ فيها الكثيرون “غمزاً” من قناة “حزب الله” بالتحديد…

 

استياء واضح

منذ أسابيع، لا تبدو العلاقة بين “حزب الله” ورئيس الجمهورية ​ميشال عون​، ومن خلفه رئيس “التيار الوطني الحر” ​جبران باسيل​ في أفضل أحوالها. فعلى الرغم من أنّ الطرفين استطاعا تجاوز الإشكالية التي خلقتها الانتخابات النيابية بينهما، وسط معارك مباشرة خاضاها في عدد من الدوائر، فإنّ الإشكاليّات التي ولّدتها مفاوضات تأليف الحكومة بينهما أكثر من أن تُعَدّ وتُحصى.

 

ويقول البعض إنّ السبب المباشر للخلاف كان وقوف “حزب الله” خلف ما سُمّي بـ”​اللقاء التشاوري​”، ما أدّى إلى تعطيل ولادة الحكومة في اللحظة المؤاتية والمناسبة التي سنحت مباشرةً بعد حلّ “العقدة ​المسيحية​”، أو عقدة “​القوات اللبنانية​”، والتي كانت تصوَّر عن عمد بأنّها “عقدة العقد”. ولعلّ ما زاد من “ريبة” الفريق “العوني” يومها، أنّ “اللقاء التشاوري” لم يكن ليشكّل أيّ مصدر ضغطٍ حكومياً، لولا استقوائه بدعم “حزب الله”، الذي رهن موقفه به.

 

في لقائه التلفزيوني الأخير، والذي صودف مع بروز “العقدة السنية”، قال عون كلاماً واضحاً أصاب “حزب الله” مباشرة، متحدّثاً عن “خطأ في التكتيك”، ورافضاً ما وصفه بـ”إضعاف” رئيس الحكومة. صحيح أنّ الجهود التي بُذِلت بعد هذا الكلام أدّت إلى احتوائه بعض الشيء، ليتغيّر موقف رئيس الجمهورية إلى حدّ ما، ما أسهم في إطلاقه مبادرة للحلّ، ولقائه وفداً من “حزب الله” بعد مرحلةٍ من “القطيعة” في محاولةٍ لإنجاحها، تفادياً لما قال إنّها “الكارثة”. لكنّ الأصحّ من ذلك أنّ سقوط “المبادرة”، أو تراجعها بالحدّ الأدنى خلال الأيام الماضية، وعدم القدرة على ترجمتها بولادة الحكومة في ​عيد الميلاد​، أعاد الأمور إلى سابق عهدها بين الجانبين، بل إنّ “استياء” رئيس الجمهورية من “حزب الله” بات مضاعَفاً، بحسب ما يقول البعض.

 

فمع أنّ تصريح الأخير من بكركي بعد لقائه البطريرك الماروني ​بشارة الراعي​ وقبيل مشاركته في قداس الميلاد أتى مقتضباً، من دون الإشارة بالاسم إلى أيّ فريق، فإنّ كثيرين قرأوا خلف سطوره غمزاً من قناة “حزب الله” واستياءً من أدائه في الملف الحكومي، خصوصاً أنّ الاتهام لا يستقيم على خصوم “التيار”، ولا سيما “القوات اللبنانية” التي سبق أن قدّمت التنازلات، وحُسِمت الحصّة الحكوميّة الخاصة بها، أو “​تيار المستقبل​” الذي لا يمكن أن يُتَّهَم بخلق الأعراف، طالما أنّ رئيسه هو رئيس الحكومة المكلف، وبالتالي المخوّل بتأليف الحكومة وفقاً لما يراه هو مناسباً، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية.

من يحتوي الموقف؟

توحي كلّ المعطيات إذاً بأنّ رئيس الجمهورية مستاء من “حزب الله”، ويحمّله مسؤولية أساسيّة في سقوط مبادرته، التي اعتُبِرت بمثابة “الفرصة الأخيرة”، خصوصاً أنّ “اللقاء التشاوري” ما كان ليرفع السقف لولا تلقيه الدعم من “حزب الله”. وما يُقال عن أنّ الحزب كان ضغط على “اللقاء” للقبول باسم مرشح “التسوية” جواد عدرة لتمثيله، قبل أن يكتشف ما يعتبرها البعض “خديعة”، لا يجد آذاناً صاغية لدى “التيار”، لأنّ “التنازل” يجب أن يكون متبادلاً، فتخلّي رئيس الجمهورية عن وزيره لصالح آخر يمثّل “اللقاء”، لا يعني تخليه عن مقعدٍ هو من حصّته الوزارية.

 

ولعلّ ما زاد الطين بلّة كان إصرار أعضاء “اللقاء” على تكرار عبارة أنّ الوزير الذي يريدونه ممثلاً لهم، يجب أن يكون ممثلاً “حصرياً” لهم، وهي رسالة فهمها رئيس الجمهورية بأنّها موجّهة إليه مباشرةً، وكأنّ المطلوب أن يسمّي وزيراً ممثلاً لـ”اللقاء” من ضمن حصّته، بشرط ألاّ يكون ممثلاً له بأيّ شكلٍ من الأشكال. ودفع هذا الأمر أوساط الرئيس إلى التشكيك صراحة بـ”صدق نوايا” الحزب عندما يقول إنّه لا يمانع حصول رئيس الجمهورية و”التيار الوطني الحر” على الثلث الضامن في الحكومة، فيما يفعل المستحيل لانتزاع هذا الثلث منه عملياً.

 

ولاستياء الرئيس استياء مقابل في صفوف “حزب الله”، بدا أكثر من واضح من خلال التسريبات الصحافيّة التي تمّ تناقلها في الأيام الماضية، ووصلت إلى حدّ الحديث عن “عقدة باسيلية” تحول دون تأليف الحكومة. ولا يبدو أنّ نفي الحزب الإدلاء بأيّ مواقف بصيغة “المصادر” أو “المقرّبين” كان كافياً لإقناع أحد بعدم استيائه، خصوصاً أنّه لم يقرن بيان النفي بأيّ موقفٍ واضحٍ لجهة علاقته مع “التيار الوطني الحر”، وكأنّه أراد احتواء الموقف، من دون دحض مضامين “الرسالة” التي أريد إيصالها لمن يعنيهم الأمر.

 

وإذا كانت “​الهدنة​” التي حُكي عنها تأتي في إطار منع تفاقم الإشكال أكثر، فإنّ المهمّة تبدو هذه المرّة أصعب من أيّ وقتٍ سابق، خصوصاً أنّ السجالات غير المباشرة بين الجانبين وصلت إلى أوجها، وأنّ لدى كلّ طرف لائحة طويلة من المآخذ على الطرف الآخر، خصوصاً لجهة عدم التعاطي مع بعضهما كحلفاء، علماً أنّ هناك في “التيار الوطني الحر” من يتّهم الحزب صراحةً بـ”شلّ” العهد بشكل مباشر أو غير مباشر، بل يذهب إلى حدّ الحديث عن “بصمات له” في التظاهرات التي شهدتها بعض المناطق الأحد الماضي، والتي كانت مصوّبة أساساً على “العهد” ومن يمثّل.

 

إلى الانهيار دُر

كثيرة من الأمور والمفاهيم لا تبدو مفهومة في الواقع السياسي الداخلي، ربطاً بملفّ تأليف الحكومة، من هذا الفريق أو ذاك.

“التيار الوطني الحر” مثلاً يسأل عن سبب “المعركة” التي يخوضها حليفه “حزب الله” بشكلٍ غير مُعلَن لمنعه من الاستحواذ على الثلث الضامن أو المعطّل في الحكومة، فيما خصومه أنفسهم قابلون بهذا الواقع. وفي المقابل، يطرح “حزب الله” أسئلة عن سبب إصرار “التيار” على الحصول على 11 وزيراً “حصريّين” له في الحكومة، فيما يستطيع أن يكون له أكثر بكثير من الثلث مع حلفائه، وهو واحدٌ منهم بطبيعة الحال.

 

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأكبر عن مصير “التفاهم” بين الجانبين، بعيداً عمّا يحكى عن توافق استراتيجي يحصّنه من كلّ “العواصف”، لأنّ الكثير من المؤشرات تدلّ على أنه بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، وربما أكثر…

آخر تحديث: 27 ديسمبر، 2018 10:12 ص

مقالات تهمك >>