مشاريع «بيوتكنولوجيا» لقهر الموت…هل بدأ عصر الخلود؟

كلما تذكر بيل مارس مؤسس مشروع “فانتشور” في شركة غوغل أنه سيموت في يومٍ من الأيام، يصاب بكآبة تمنعه من النوم. قلقه من النهاية عزّز إنخراطه في مشاريع “بيوتكنولوجيا” يهمها القضاء على الموت، حاله حال رئيس شركة  “paypal”، بيتر ثيال الذي ينفق سنوياً ملايين الدولارات على شركتي “stemcentrx” و”breakoutlabs” لكونهما تهتمان بأبحاث مخبرية على الخلايا المرتبطة بالشيخوخة.

يرى بيتر أن الموت فرض الكثير من الخيارات المعقدة على الإنسان، فمن الممكن تقبله، أو رفضه، وإلى جانب الخيارين يمكن محاربته، فإختار بيتر محاربته.

الخوف من الموت، بمثابة تخبط مشترك يجمع البشر، إذ لا يوجد أحد لا يخاف الموت.  ما من أحد لم يتحدث يوماً أمام أفراد عائلته أو أصدقائه عن حلمه بالعيش إلى الأبد. وحده المرض والوهن الجسدي يدفعنا أحياناً لتمني الموت والتخلص من الآلم. وإذا قارنا بين الحالة النفسية التي تصيب شخصاً فكر بالصدفة أنه سيخسر عزيز على قلبه، وتفكيره أنه “هو” من سيموت في يومٍ من الأيام، فإن شعوره بالمشارفة على الموت سيكون مؤلماً فعلاً.

الصراع مع الموت دائما ما يُحرك مخيّلة الإنسان. هنالك آلاف الملاحم والأفكار الدينية والأيديولوجيات كُتبت تحت وطأة نزاع مستتر مع الموت. ولعل الثورات بما تحمله من إنتفاضة ضد أنظمة فرضت واقعا معاشا، ما هي إلا ثورة ضد الموت أولاً  وأخيراً.

ولعل حاجة “بيل” و”بيتر” للقضاء على الموت لإنهاء كوابيسهما الليلية عندما يتذكران أنهما سيموتان وهما يؤمنان بالتكنولوجيا وبقدرتها الكافية على الأتيان بحلول علمية تمنع حدوث ذلك، هو شعور لا يقل مأساوية عن لحظة صعبة ومؤلمة جداً واجهت شخصا عاش مئات السنوات ليكتشف اخيرا انه امام مرضٍ عضال وخيار واحد وهو الموت.

خلقت التكنولوجيا الحيوية نقاشا علميا يدور في فلك معنى الموت، وتعزّز النقاش بجهود فلاسفة المادة ومراكز أبحاث “بيوتكنولوجية” تطمح إلى إعادة ترتيب أوراق الحياة والموت في سياق جديد عملي ونظري.

هذه المعركة الحيوية بين الإنسان ونهايته، صالت بها محاولات دؤوبة في البحث عن الخلود عبر خيميائيين لم يصلوا إلى أي جوابٍ عن آلية التخلص من الموت، إلى أن توقف البحث في الخلود نهائياً بداية القرن التاسع عشر، وهو قرنٌ كثّفت فيه السلطات الأوروبية حملتها الخيميائيين والسحرة، وحالياً تجري محاولات جديدة للبحث عن الخلود، مصحوبة بتغطية صحافية لمواقع إخبارية تكنولوجية عريقة تنقل اخر مستجدات المعاهد والمراكز الطبية الأميركية والصينية واليابانية لكون الثلاث من أهم المتنافسين في هذا المجال، وركيزة دراساتهم هي القضاء على الموت وإبتكار آلية علمية تسمح للإنسان بالخلود.

الخلود الجسدي

مع الموجة التكنولوجية الثالثة، تسود ثلاث مدارس تكنولوجية لكل منها رؤيتها الخاصة في تحقيق الخلود.

المدرسة الأولى، تقول بتطوير أداء جسد الإنسان وإزالة كل الجينيات التي تؤدي إلى شيخوخته أو إصابته بالمرض. وتجمع هذه المدرسة بين الطب والتكنولوجيا ضمن حقل البيوتكنولوجيا، وتتخذ أبحاثها سياقاً تصاعدياً، ويأمل المروجون لها أن يصلوا نهاية المطاف إلى توفير جسدٍ يخلو من كل ما يؤدي إلى موته، وأبرز الداعمين لها بيتر مرس.

المدرسة الثانية، بيوتكنولوجية أيضاً وتسعى إلى تفكيك أعضاء الإنسان وإستبدالها بآلات أوتوماتيكية بديلة وهو ما يعرف بـ”bionic”، كاليد والعين والقلب، لنصل في نهاية المطاف إلى إنسان “cyborg” يجمع جسده ما بين اللحم وأجزاء إلكترونية بديلة عن الأعضاء الأكثر عرضة للتآكل مع الزمن ما سيحسن وظيفة الجسد ويمدد العيّش إلى أقصى مدة ممكنة.

الخلود الرقمي

المدرسة الثالثة، ومن داعميها مجموعة “2045”، وتنادي بابتكار نسخة رقمية للإنسان تحفظ وعيه فقط، من خلال نسخ الوعي الحقيقي على نظام ذكي ينتج وعياً إفتراضياً، وهو ما يجعل الوعي حياً إلى الأبد ويحرره من المادة (الجسد).

حالياً، يَطغى على البُعد التكنولوجي المسيطر على العالم شعاران، الأول “التكنولوجيا جعلت الخيال العلمي واقعاً”، والثاني “التكنولوجية ستجعل كل ما هو مستحيل حقيقة”، ومع هذين الشعارين يستعيد الموت والخلود مكانتهما في الخيال العلمي الذي أثبت جدارته في تحويل الخيال إلى واقع .

وبما أن المدارس الثلاثة الساعية إلى تحقيق الخلود تتخذ من الخيال العلمي موادها الأولية لمحاربة الموت، نتج عن ذلك، أشكال مختلفة للخيال. الشكل الأول أقرب إلى التحقق، يعمل على تحرير وعي الإنسان من المادة الملتطق بها. ويشترط حصول هذا أن نُفَرِغَ عبارة “خلود” من معناها القديم الذي إكتسبتها من الأديان والملاحم التاريخية، ليعاد صياغة المصطلح بمعانٍ جديدة علمية وواقعية.

يتجاوز معنى الخلود الذي يريد تحقيقه مجموعة علماء ومستثمرين في التكنولوجيا الحدود المادية، بعد أن أثبتت المادة صعوبة بقائها، ومن هنا آتت التجارب التكنولوجية لخلق كيان إفتراضي للأحياء يوازي كيانهم الحقيقي.

مسلسل “المرأة السوداء”، هو أول من طرح مسألة تحرير الوعي من المادة بإستخدام تقنيات الذكاد الإصطناعي. في أحدى الحلقات التي بثها المسلسل يموت آرثر وهو صديق مارتا، لتختار الأخيرة صنع نموذج إفتراضي لصديقها يخولها الحديث معه، وإستوحت المبرمجة البريطانية يوجينا كوديا من الخيال العلمي لـ”المرآة السوداء” فأنتجت تطبيقاً يحمل إسم “رابليكا”، والمتوفر حالياً على “غوغل ستور” بإسم “رومان”.

بدأت قصة إبتكار تطبيق يحوي على نسخة رقمية إفتراضية متحدثة تُدعى “رومان”، والتي تُحاكي وعي شاب حقيقي يدعى رومان مازورينكو، حين أخذت آلاف الرسائل التي كتبها صديقها المتوفى رومان، ولقنتها في برنامج ذكي عالج كيفية تحدثه وتفكيره، وإستخرجت أنماطا من كمية المواد الرقمية التي إستخدمها رومان، على “وتس آب” و”فيسبوك” وتويتر” ورسائله على “غوغل”، وإستنتج البرنامج أسلوب رومان في المحاكاة، وأهم الألفاظ التي يعتمدها دائماً، هذه التجربة بدأ علماء بتطبيقها على الأحياء، لصنع نسخ إفترضية لهم، وإلى جانب ذلك إقترح علماء القيام بمسح كامل للدماغ، وهو ما قام به فعلياً معهد ماساتشوست عام 2017 على دماغ فأر، وساهمت النتائج بإبتكار نسخة إفترضية تحاكي الفأر الذي أجري عليه الإختبار.

يطمح علماء إلى صنع شيء مماثل لدماغ أي إنسان يرغبون بصنع كائن إفتراضي يحاكي الواقع، ثم نسخه في جهاز كمبيوتر، الذي سيقوم بدوره بتصميم كيان إفتراضي يحاكي نموذج معالجة دماغ الإنسان للمعلومات، وسيعمل الكيان الإفتراضي بنفس الطريقة التي يستجيب بها الدماغ الأصلي، سيفكر بالطريقة نفسها وسيتكلم بالأسلوب نفسه، ويمكن دمج الوعي المحاكى بواقع افتراضي مدعومًا بجسم ثلاثي الأبعاد، كما ويمكن تفعيل الوعي المحاكى في تطبيق محادثة كالوتس آب أو روبوت.

قبل سنة دار حوار إذاعي حول مسألة الخلود التكنولوجي، بين جوني كيري وكين تايلر وهما مفكران أميركيان لديهما إذاعة “حديث الفلسفة”، يسأل تايلر زميله “كيري، تصور أنك ستعيش ٥٠٠ عام، أو ألف عام.. إلى الأبد، ستشهد على عشرات الحروب وستعمل بعشرات الوظائف بدلاً عن وظيفة واحدة، هل أعجبتك الفكرة؟ فيجيبه كيري أن هذا الشيء من أسوأ الأشياء التي يمكن حصولها.

قد يكون الإستثمار في الموت شيئاً مهماً للغاية، ولكن إذا كان المستثمرون في التكنولوجيا يرغبون في “الحياة”، فعليهم الإستثمار في الصحة والسعي إلى القضاء على جملة من الأمراض المستعصية.

آخر تحديث: 26 ديسمبر، 2018 12:28 ص

مقالات تهمك >>