التعذيب شكل نهائي للبنان الإلهي القوي

تشهد مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال حملة اقتحامات مستمرة منذ أيام تحت عناوين أمنية. ما يتناثر من معلومات عن طريقة إدارة الجيش اللبناني لهذه العمليات يكشف عن نزعة إذلال مقصودة لتحويل العيش السوري في بلاد المنفى إلى تعذيب خالص حيث تتم الاقتحامات من دون سابق إنذار وسط دخول عنيف إلى الخيم، وتعمد إهانة الرجال أمام عائلاتهم، وموجة اعتقالات واسعة.

وكان سبق هذه الحملات في العام الماضي موجات اعتقالات وتعذيب نجم عنها وفاة عدد من المعتقلين، وتمت لفلفة القضية ومنع التحقيق فيها، والخروج بتبريرات سريالية من قبيل رد أسباب الوفاة إلى ضربة شمس.

يؤدي تعذيب السوريين وإهانتهم الوظيفة التي يريدها حزب الله من البلد على أكمل وجه وخصوصا أنه يتم على يد الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية المواطنين.

هكذا يراد لكل لبناني أن يكون شريكا في التعذيب، لا بل يراد أن يتحول الانحياز للتعذيب إلى ناظم أعلى للوطنية اللبنانية، حيث يدرج مؤيدوه في عداد اللبنانيين بينما يرمى من يرفضه خارج جنة الإجماع الوطني العارم.

اقرأ أيضاً: مداهمات الجيش لعرسال.. أمنية أو سياسية؟

تعذيب السوريين يمهد لتعذيب البلاد والشأن العام والحياة اليومية، والأمر ليس محاولة لتركيب المعاني، بل مجرد رصد لواقع العيش اللبناني وتفاصيله الذي تحول إلى صيغة خاضعة لمفهوم التعذيب وتجلياته.

منذ فترة شهد الشارع الأرقى في العاصمة اللبنانية والذي يبلغ ثمن الشقة السكنية فيه ثلاثة ملايين دولار، أقصد شارع الرملة البيضاء، انفجارا كبيرا للمجارير، وكان هذا الانفجار من الشدة والعزم لدرجة أن المشهد بدا أقرب إلى شلالات تتفجر، وكان السبب في ذلك يعود إلى قيام أحد أصحاب المنتجعات السياحية القريبة بسد المجرور.

اللافت في الموضوع كان تلقي اللبنانيين العام لهذا المشهد، فقد تناولت وسائل التواصل الاجتماعي الأمر عبر سيل من النكات والسخرية الباردة، كما أن تعاطي المسؤولين معه امتاز بقدر كبير من الخفة.

خرج مؤخرا فيديو يظهر فيه الوزير السابق وئام وهاب وهو يشن حملة مس بالأعراض طالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري في قبره ونجله رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري.

لا يمكن إدراج هذا المشهد في إطار السجال السياسي المألوف، لأنه كان غير مسبوق في بذاءته، ولكن ردود الفعل عليه كانت تسأل عن توقيته والهدف منه، ولماذا ظهر في هذه اللحظة تحديدا، ولكن أحدا لم يسأل نفسه عن الظروف التي جعلت خروجه إلى النور ممكنا، ومن المسؤول عن تأمينها، أو كيف يمكن لشخص لا يضم سجله سوى الشتائم أن يبقى على قيد الحياة السياسية.

وئام وهاب انطلاقا من هذا الواقع ليس حالة تقع خارج المشهد بل في قلبه، فهو النسخة الفعلية للشخصية التي تحتل المشهد العام بعد تعذيب السياسة والأمن، الأخلاق والحياة العامة، وهو النموذج الذي يمثل حال البلاد أصدق تمثيل.

الجواب الذي لا مفر من مواجهته أن وهاب يمثل روح الحكم الجديدة في البلد بلا مواربة، والتي تقوم على تعذيب كل شيء

من هنا لا يعود ممكنا وصف تصريحاته بالبذاءة لأن هذا الوصف يجافي واقع البلاد الفعلي بل إن ما يأتي به وهاب ليس سوى السياسة التي نمت تحت ظلال التعذيب الذي مارسه حزب الله علينا وعلى البلد وسماه أمنا واقتصادا، ومقاومة، وسياسة، وارتضينا بهذه التعريفات، لا بل أكثر من ذلك قبلنا بتحديداته لها كمفاهيم يتم النقاش من داخلها، بينما تركنا له الحق في تأويلها على هواه.

من يرى في تعذيب السوريين أمنا ووطنية هو الكائن اللبناني الجديد الذي خلقه حزب الله، والذي تحول كل شيء في نظره إلى صدى لما زرعه التعذيب في روحه وفي كيانه من استخفاف بنفسه ومصيره.

وربما يكون السوريون الآن هم الكائنات الأكثر قابلية لحمل تأويلات الكائن اللبناني المستلب، ففي ظل العجز عن تمثل الواقع وإدراكه، يمكن للسوري أن يتحول إلى التأويل العام والمفتوح لكل عناوين الأزمة التي يعاني منها اللبنانيون وفق منطق يقول إنه لا داعي للتفكير في أسباب الأزمات، فوجود السوريين يختصرها ويكثفها ويفسرها.

لا يوجد ما يدل على مدى تغلغل مفهوم التعذيب في قلب الكائن اللبناني أكثر من ذلك فالقبول الطوعي بالتخلي عن الحق في التفكير، والتعامل مع ما يحدث للسوريين بوصفه طبيعيا وعاديا لا بل ضروريا يخلق كائنا عاجزا عن إنتاج نفسه، فكيف يتوقع منه أن ينتج البلاد.

من هنا ربما يكون من الطبيعي أن نتوقع أن ينتقل حزب الله بسلاسة من وضعية السيطرة على الدولة إلى وضعية يكون فيها هو الدولة بشكل أو بآخر. لا شيء يحول دون إتمام هذا السيناريو المرعب بعد أن أصبحت كل معالم التطويع العام منجزة وكاملة الأوصاف.

آخر تحديث: 1 ديسمبر، 2018 2:01 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>