المؤتمر الرابع لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان من أجل حزب يساري ديمقراطي علماني

اختتمت منظمة العمل الشيوعي في لبنان مؤتمرها الرابع في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني 2018. ناقش المؤتمر تقارير سياسية وتنظيمية وأقرها.
أقر المؤتمر تقريراً سياسياً تضمن ثمانية عناوين:
تطرق التقرير أولاً، إلى أزمة النظام السياسي اللبناني، استناداً إلى سماته الراهنة، ومدى إتصاله بإتفاق الطائف المقر عام 1989، الذي كرس المحاصصة الطائفية صيغة لإصلاح النظام الطائفي. وتناول صيغة تطبيقه في ظل الوصاية السورية بما يخدم مصالحها، وعرض إلى اتفاق الدوحة بصفته تسوية طائفية مشوهه لاتفاق الطائف الطائفي، وصولاً إلى ما أصاب الإتفاق من تشوهات إضافية عبر التسوية الجديدة عام 2016. واعتبر التقرير أن النظام القائم منتج دائم للأزمات وهو أساس الفساد السياسي بكل منوعاته. وفي ضرورة الإصلاح السياسي في أهدافه وشروطه، خلص إلى اعتبار شعار الغاء الطائفية السياسية بات قاصراً عن فتح أفاق معركة التحديث الديمقراطي ووضع البلد على طريق الإصلاح. لذلك ترى المنظمة أن قضية العلمانية هي المعركة التي تفتح الأفق أمام إمكانية تجاوز البلد لأزماته وتحرره من أسر الطائفية وتضعه على طريق التقدم والحداثة.

اقرأ أيضاً: تبييض المشاريع الأقلوية في بيروت: افتتاح مؤتمر المدنية والحداثة في «الشرق الأوسط»

وتطرق التقرير ثانياً، إلى أزمة اليسار اللبناني، فاعتبر أن هزيمة المشروع الوطني خلال الحرب الأهلية، وما أصاب اليسار بعد الإجتياح الإسرائيلي في ظل الحرب العبثية، ساهما في تقليص دوره وهامشيته. واعتبر المؤتمر أن تجديد اليسار هو المهمة المركزية للمنظمة، فأشار إلى العوامل الموضوعية منها و الذاتية التي ساعدت في تعثر مسار التجديد خلال العقود الثلاثة الماضية. وخلص المؤتمر إلى تعيين شروط التجديد، التي يجب أن تطال الهوية الفكرية لليسار في ضوء تجربتة، وإعادة بناء قاعدته الاجتماعية، وتحديث البرنامج السياسي، والسعي إلى توليد كتلة اجتماعية ديمقراطية علمانية بقيادته.

وتوقف القسم الثالث من التقرير،أمام معضلة دور حزب الله وسلاحه، فاستعاد المراحل التاريخية من تأسيس الحزب عام 1983 ودوره في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، واستعرض سياسات ومواقف الحزب بعد التحرير وصولاً الى حرب تموز، كما تعرض لممارسات الحزب التعطيلية للمؤسسات الدستورية، من أجل فرض سياساته وتكريس هيمنته وجعلها أمراً واقعاً، وصولاً إلى موقفه من الإنتفاضات العربية وتدخلاته في الصراعات العربية والإقليمية ومشاركته العسكرية، وأثرها السلبي على الوضع اللبناني الداخلي. كما تطرق التقرير إلى الموقف من دور الحزب وسلاحه الذي يجب أن يعالج بعيداً عن الشعارات التبسيطية التي تستسهل الانزلاق إلى الحرب الأهلية، بالأستناد إلى المصلحة الوطنية وفي ظل إعادة الإعتبار لمشروع بناء الدولة الوطنية، وموقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي.

وتناول القسم الرابع، واقع الاقتصاد اللبناني من زاوية رؤية النتائج التدميرية للحرب الأهلية على الاقتصاد اللبناني، ثم ملاحظة سمات السياسات الاقتصادية المعتمدة في ظل اتفاق الطائف والوصاية السورية. واعتماد سياسة الإعمار عبر الاستدانة وتوسيع سوق الإستثمارات والخصخصة، الأمر الذي ضاعف المعضلات البنيوية للاقتصاد، وأدى إلى تفاقم أزماته ودفعت به إلى حافة الإنهيار، وتصاعد المديونية إلى مستويات خطيرة. كما تعرض التقرير إلى رؤية النتائج الاجتماعية الفادحة لتلك السياسات، والحاجة إلى مواجهتها وفرض سياسات بديلة لمعالجة الأزمات، والحد من احتمالات مخاطر الإنفجار الإجتماعي.

وتطرق التقريرخامساً، إلى الانتخابات النيابية التي جرت في شهر أيار من هذا العام، من زاوية الظرف السياسي الذي جرت في ظله، وقانون الانتخاب في مفاعيله السلبية الغالبة. واستعرض مشاركة المنظمة في الانتخابات وعلاقاتها مع الحلفاء، وصولاً إلى قراءة نتائجها التي أعادت تجديد الطبقة السياسية لنفسها، لتتجدد معها أزمات النظام بشكل يجعل مستقبل البلد مشرعاً أمام شتى المخاطر بدءاً من تعطيل مؤسسات الحكم مروراً بانهيار الاقتصاد والنقد، واستحضار شبح الحرب الأهلية وتهديد السلم الأهلي والإجتماعي.

كما قرأ التقرير سادساً، المسألة السورية من زاوية تعيين أسباب اندلاع الانتفاضة، وتقديرات المنظمة لها منذ لحظة انفجار الأزمة، بأنها سائرة إلى التحول حرباً أهلية مدمرة، نظراً لانغلاق نظام الإستبداد واستعصائه على الإصلاح. واستعرض التقرير التحولات التي حلت بالانتفاضة جراء استدراجها للعنف من قبل النظام، وتحولها من تظاهرات سلمية إلى ميليشيات أصولية طائفية ومذهبية مقاتلة تدور في فلك القوى الإقليمية والدولية بعد أن تحولت سوريا ساحة حروب اقليمية ودولية. كما تطرق التقرير إلى معضلات المعارضة السورية وعجزها من أن تشكل بديلاً للنظام الأمر الذي يجعل من وقف الحرب الأهلية المدمرة والتسوية السياسية مطلبين أساسيين بديلاً عن استمرار مسيرة القتل والتهجير والتفكيك والتدمير . كما توقف المؤتمر امام الانعكاسات السلبية للازمة السورية على الوضع اللبناني.

وفي القسم السادس، عرض التقرير لمآل القضية الفلسطينية، مذكراً بثوابت المنظمة في قراءتها للصراع العربي – الإسرائيلي وموقع القضية الفلسطينية فيه. واستعرض الثوابت الفلسطينية في هذا الصراع، في مقابل ثوابت السياسة الإسرائيلية، والسياسات الأميركية والروسية والأوربية. وتناول النص علاقة القضية الفلسطينية بالعالم العربي. وتناول سمات الوضع الفلسطيني راهناً، في ظل تراجع الدعم والدور العربي الفاعل إلى حد الإضمحلال، وممارسة بعض دوله الضغوط على الفلسطينيين للقبول بتسويات تطيح بقضيتهم وحقوقهم الوطنية، في موازاة تفاقم حالة الإنقسام الداخلي ونتائجها الخطيرة، في وقت تتعرض قضيتهم إلى هجوم إسرائيلي يحظى يدعم أميركي غير مسبوق يستهدف تبديد الحقوق الوطنية تمهيداً لفرض صفقة القرن التي تودي بالقضية والحقوق على السواء.

اما النص الاخير من التقرير السياسي فكان حول الإنتفاضات العربية، فعيّن بعض العوامل الموضوعية والذاتية لاندلاع الإنتفاضات، في ظل سيادة أنظمة الإستبداد وما نتج عنها من إفناء للحياة السياسية وتبديد قوى الإعتراض . وقرأ مآزق تلك الانتفاضات ومعضلاتها البنيوية، وتطرق إلى أزمة غياب قوى التغيير، وموقف الحركة الشيوعية السلبي منها، ليطرح أخيراً أن ما يجري في المنطقة العربية يطرح تحدي تجديد المشروع النهضوي العربي.

بعد ذلك ناقش المؤتمر مبادرة المنظمة لتجديد اليسار اللبناني انطلاقاً من إعادة النظر بالهوية الفكرية للمنظمة والأسم الجديد الذي يجب أن تحمله مستقبلاً. اعاد المؤتمر التأكيد على التزام نص “في الاشتراكية” الذي صدر في العام 1993، والذي حمل مراجعة للهوية الفكرية التي كانت تلتزم الماركسية اللينبنية، وقرر عدم تجديد إلتزامها إلتزاماً حرفياً وشاملاً، في مقابل عدم إسقاطها من الحساب، ورفض إعدامها. وجدد المؤتمر إلتزام المنظمة خيار الإشتراكية، واعتبر أن الهوية الاشتراكية تعيد الاعتبار للأصل الرحب، المتنوع والخصب للخيار الإشتراكي ، ما يعني أن الإشتراكية ليست ترسيمة تقوم على قوانين وحتميات، بمقدار ما هي أجنحة وتيارات واجتهادات ومواقف وخيارات. كما تعتبر المنظمة أن الديمقراطية هي من أعمدة خيارنا الإشتراكي، فالاشتراكية هي أعلى درجات الديمقراطية، والديمقراطية لا تتحقق وتكتمل إلا بمقدار ما تتجه يساراً. وترى المنظمة أن العلمانية هي في صلب هويتنا الفكرية، وشرط العلمانية أن تقترن بالديمقراطية.

بعد تعيين مباديء المراجعة الفكرية هذه، توقف المؤتمر أمام الإسم الذي حملته المنظمة منذ تأسيسها والذي كان متوافقاً مع هويتها الماركسية اللينينية، فاعتبر أن هذا الإسم لم يعد متوافقاً مع الهوية الفكرية الجديدة. لذا اتخذ المؤتمر قراراً بتغيير إسم المنظمة بما يتوافق مع مباديء الإنتماء إلى اليساروالديمقراطية والعلمانية، على أن يقرر المؤتمر القادم الإسم الجديد بعد مرور مرحلة إنتقالية تقوم المنظمة خلالها بشرح مبادرتها السياسية وهويتها الفكرية والانفتاح على كل أشكال التفاعل معها والحوار بشأنها من أجل تجديد اليسار هوية وبرنامجاً ودوراً.

كما ناقش المؤتمر تقريرا يتعلق بالتوجهات البرنامجية والخططية، حول النظام السياسي اللبناني، واليسار وضرورة تجديده، والقضية الوطنية، وصولاً إلى الوضع الاقتصادي، والقضية الاجتماعية. إضافة إلى قضية المرأة، وهموم الشباب وقضايا المجتمع المدني، والحريات الديمقراطية والإعلام.

بالإضافة إلى ذلك ناقش المؤتمر تقريراً حول نشاط المنظمة بين المؤتمر الثالث عام 2013 والمؤتمر الرابع 2018، فتناول المسائل التي نالت الأولوية في عمل المنظمة، والمشاركة في الحراك الاجتماعي والمطلبي. وتطرق إلى النشاطات في ذكرى تأسيس المنظمة وجبهة المقاومة الوطنية، والمشاركة في الانتخابات البلدية والنيابية، ونشاطها في التجمعات الديمقراطية.
بعد ذلك، أقر المؤتمر اللائحة الداخلية النظامية، وجدد انتخاب الرفيق محسن ابراهيم أميناً عاماً، كما انتخب مكتباً تنفيذياً.

آخر تحديث: 27 نوفمبر، 2018 12:42 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>