الأمين:«إنّني أحترم وأعجب بدين الرجل وليس بالضّرورة أن أعجب وأحترم رجل الدين»

ربما يوفّق المرء أحياناً في صياغة عبارة واحدة هي في جوهرها تكثيف لرؤية فكريّة واسعة وذات جوانب وأبعاد لا حصر لها، ومن ذلك أنني فيما يتعلق بمفهوم رجل الدين، انطلاقاً من رؤية تراكم فيها الكثير من عناصر البحث والتأمل وجرت صياغتها على لساني ذات مرّة، وقد صنعتها على الشكل التالي: «إنّني أحترم وأعجب بدين الرجل وليس بالضّرورة أن أعجب أو أحترم رجل الدين».

اقرأ أيضاً: السيد الأمين: تعاطي رجال الدين في السياسة

وهذه العبارة ليست ضرباً من ضروب الفذلكة الأدبية، أو البلاغيّة، ولكنها تعبير عن رؤية وموقف إسلامي، هو نتيجة تأمل وبحث في نشأة مصطلح رجل الدين أو رجال الدين والتي اعتبرتها تتنافى مع مفهوم الإسلام لكلا الجانبين اللذين أضيف أحدهما إلى الآخر، فقيل رجل دين، وكأنّ للدين رجالاً اختصّوا به، وباتوا مؤهّلين وحدهم للنطق باسم هذا الدّين وأنّ على الآخرين أن يكون بينهم وبين الدين واسطة حصرية، بل بينهم وبين الله سبحانه وتعالى واسطة حصرية هي رجل الدين، وهذه الرؤية ليست مجرد رؤية ذهنيّة بقدر ما هي أيضاً رؤية مستمدة من تاريخٍ بشريّ تجسد بصورة معروفة في سلوك رجل الكنيسة في المسيحيّة وقبلها ـ وفي أعماق التاريخ ـ تجسّد بما كان يسمّى بالكهّان وهم في الواقع كانوا رجال دين، وفي تأملاتي المتأنية والعميقة توصلت، ولعلّي لستُ مخطئاً في هذا الاستنتاج، وهو أنّ جزءاً أساسياً من جهاد الأنبياء، ومن العقبات التي واجهتهم وحاربت دعواتهم كانت من هؤلاء الكهان بما فيهم نبينا محمّدw، فإنّ مواجهته الأكثر مشقّة كانت مع هذه الطبقة من الكهان سواء كانوا يهوداً أو مسيحيّين أو مجوساً أو إلى أيّ دين انتموا، فكان يعني لهم انتصار الأنبياء وتعميم مفاهيم الوحي المنزل إيذاناً بزوال سلطاتهم ومكاسبهم ومواقعهم، بما يعني أنّ رجال الدين هؤلاء لم يكونوا في دائرة السعي إلى تحقيق مقاصد الدين الحقيقيّة، بل كانوا يتذرّعون باسم الدين لتعزيز سلطاتهم البشرية، حتى لكادت ـ من وجهة نظري ـ أن تؤدي هذه الظاهرة إلى رواج جانب كبير من جوانب الكفر والإلحاد.

وإذا استطردتُ فإنّني لا أتحرج من القول بأنّ إسلامنا العظيم نفسه لم ينجُ من هذه الظاهرة، بل استطاعت أن تتسلل إلى الاجتماع الإسلامي، وأن يصبح مصطلح رجل الدين مصطلحاً شائعاً ومقبولاً، في الوقت الذي ينبغي أن يكون الإسلام ـ كما هي مقاصده العليا ـ الكلمة الأخيرة للسماء وللاجتماع البشري متضمّناً كل القِيَم العليا التي تليق بهذا المخلوق المميز الذي هو الإنسان.
إنّني أدرك وأعلم أنّ الكثير من رجال الدين ومن المؤمنين ، بل ربّما الأكثرية الساحقة سوف تجد في هذا الرأي انحرافاً وخطأ وسوف تدافع عن فكرة مصطلح رجل الدين بحجج كثيرة، لعلّ أهمها القول بأنّ الدين الإسلامي وشريعته وعلومه تتطلب بالضرورة اختصاصيّين في هذا المجال، وفي الجواب المختصر على هذه الحجّة، فإنّني لا أمنع من صحة هذا القول، وأقرّ إقراراً كاملاً بأنّ اتساع حدود المعرفة ـ بصورة عامّة ـ والمعرفة الدينيّة منها، باتت تتطلب اختصاصيّين في كل فروعها، فليس بوسع الناس كلّهم أن يكونوا فقهاء أو متكلّمين أو فلاسفة، بل لا بدّ أن يكون هناك مختصون بهذه العلوم، ولكن المصطلح المناسب لمثل هؤلاء المختصين، هو مصطلح علماء الدين، وليس رجال الدين.
فإذا قيل ما الفرق بين الأمرَين، قلتُ: إنّ الفرق كبير، فرجل الدين بالمصطلح التاريخي لهذه الكلمة هو الناطق باسم الدين، وهنا أورد عبارة شائعة وهي مستعملة واستعملت على لسان فقهاء كبار في شهاداتهم لبعض العلماء تقول بحق المشهود له بأنّ الراد عليه كالرّاد على الله!
إنّني أعتقد أنّ الإسلام أتاح لكلّ إنسان درجة من الحريّة عندما تكون مقرونة بقدر من الفهم والعلم والاطلاع أن يُعمل فكره وأن يناقش كلّ صورة من صور الاجتهاد البشري.
والاجتهاد كما ينبغي أن نعلم هو ليس وحياً ولكنه جهد عقلي بشري معرّض للخطأ وللصواب، وكلّ ما هو إنجاز بشري، وليس وحياً أو سنّة قطعيّة، فهو ذو قابلية لمناقشته والردّ عليه واختيار الرأي الذي يراه المكلف أقرب إلى الصواب، ومن هنا اعتراضنا على القول بوجوب تقليد مجتهد معيّن دون غيره، فضلاً عن موقفنا الشاجب للمغالاة في هذه المسألة عند الذين يقولون بأنّ تقليد مجتهد معيّن يُلزم المقلِّد اتّباع المقلَّد حتى في آرائه السّياسية والاجتماعيّة والاقتصادية وغيرها من شوؤن الحياة.
ما تقدّم ولو كان يحتاج إلى المزيد من التوسّع قد يكفي لتفسير العبارة التي بدأناها في مطلع هذا الكلام بأنّ الذي يجب أن يُحتَرم هو (دين الرّجل وليس رجل الدين بالضّرورة) فكم من رجل دين ضعيف الدين، وكم من متديّن حقيقي ورع لا يُقال له حتى رجل دين!!

اقرأ أيضاً: رأي سماحة السيد محمد حسن الأمين بشأن الحضانة

وأنهي هذا بالأسباب التي دعتني لإطلاق هذه المداخلة وهي أسباب متعددة ولكن أهمّها أن تكون ردّاً منطقياً على الكثير من الناس الذين يجابهونك أحياناً بأنّ فلان من رجال الدين فعل كذا، وكثير من رجال الدين فعل كذا، وكثير من رجال الدين يحلّل بعض المحرّمات البديهية في الشرع الإسلامي، وكثير من رجال الدين يمارسون السّلوك الفلاني، ويكون هذا السلوك سلبياً، فكأنّهم بذلك يعبّرون عن اعتقاد خاطئ، مفاده أنّه كل من امتهن مهنة رجل الدين، فإنّ قوله وعمله وإقراره حجّة على الآخرين، والمتشرّعون يعلمون أنّ الرسول وحده والأئمة وحدهم هم من تعتبر أقوالهم وإقراراتهم وأفعالهم حجّة على الآخرين، وأنّ كلّ من سواهم يمكن أن يردّ عليه، بل يمكن أن يرتكب من الأخطاء ما يرتكبه سائر الناس، دون أن يقلّل هذا من أهميّة علماء الدين الحقيقيّين الذين يمتازون بأعلى درجات الورع والتقوى.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 26 نوفمبر، 2018 12:12 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>