نصرالله وشنق الدولة ومشروع السيادة بحبال ربط النزاع

تعليق مشروع السيادة وتأجيله كان خطوة قاتلة للدولة في لبنان، فما فرضه حزب الله على الدولة وسلطاتها، هو التسليم بسلاحه ليس بذريعة المقاومة ضد الاحتلال، وهو الذي لم يعد مبالياً بتحرير مزارع شبعا، بل لمنع قيام أي استراتيجية دفاعية للدولة اللبنانية.

عندما صمت خصوم حزب الله في السلطة على انتهاك السيادة، عبر ما سمي “ربط النزاع” وبذريعة أن ثمة إمكانية لتأجيل البت بهذه القضية الوجودية للدولة، في مقابل الانهماك بمعالجة أزمات الدولة المالية والاقتصادية، وتسيير الخدمات العامة. لم يتحقق ما كان يتمناه البعض وعلى رأسهم الرئيس سعد الحريري الذي اخذ على عاتقه “التسوية” التي انتجت ما نحن عليه اليوم، لقد زاد سوء الأوضاع الاقتصادية والمالية اكثر فأكثر، وتراجعت الخدمات العامة وزاد منسوب الهدر والفساد في مؤسسات الدولة، واستفحلت شهية المحاصصة في موازاة تراجع مريع لمشروع السيادة وخطاب الدولة، وبات اللبنانيون غارقون بين أكوام الملفات المتصلة بالفساد والنفايات والكهرباء وتلوث البيئة والمياه، الى غير ذلك من هموم يومية يواجهها المواطن في بلد انعدم فيه الانتظام العام ضمن قواعد دستورية وقانونية.

اقرأ أيضاً: نصرالله تجاوز «الخطوط الحمر» وسنته صم بكم عمي

إعادة الاعتبار لأولوية سيادة الدولة ليس محاولة لخلق أزمة لبنانية، او تشجيع على تعميق شروخ طائفية ومذهبية، بل العكس تماما، ذلك أن التسليم بمرجعية الدولة، هو السبيل الوحيد لوقف التصدع والانهيار، طالما أن ما يعانيه اللبنانيون اليوم هو غياب معايير المحاسبة، وتراجع دور الدستور والقانون، لحساب “القوة القاهرة” التي يمثلها حزب الله والتي تتفوق على الدولة وتستقوي على مكوناتها، وبالتالي فان ما يترسخ في الوعي العام وفي الواقع، أن السلطة هي خارج الدولة وفوق الدستور والقانون، ما جعل من قيمة القانون وقوته، هامشاً في الحياة العامة، وانعكاساً لواقعه الهشّ في علاقة المسؤولين مع الدستور والقانون.

الدولة هي حاجة وجودية لأي شعب، وليست ترفاً سياسياً أو فلسفياً، وحقها في احتكار القوة المسلحة أساس وجودها، اذ لا يستقيم دور الدولة وحضورها وهيبة النظام والقانون فيها من دون امتلاكها لهذا الحق. ما يحتم على اللبنانيين بعدما ساهم “ربط النزاع” في فتح المزيد من الشهية لدى حزب الله على الاستقواء على الدولة، إذ انتقل من مرحلة فرض “الأمر الواقع” الى مرحلة الزام اللبنانيين بالخضوع لمعادلته ليس باعتبارها حالة طارئة او استثنائية، بل باعتبارها الواقع الذي يجب أن يؤسسوا وجودهم وحياتهم العامة وانتظامهم السياسي على أساسه، لا على أساس الدستور والقانون.

“القوة القاهرة” للدولة والمجوفة لمضمونها ودورها، هو ما يريد حزب الله للبنانيين أن يسلموا لها، ويرضخوا لقواعدها وشروطها، اذ لا صوت يعلو فوق صوت الحزب، ولا سلطة فوق سلطته، وقد قالها السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير لمن لم يفهم بعد من الذين لا يتوهمون أن في البلد سلطة فوق سلطة حزبه، سواء كانوا “رؤساء او مطارنة ومفتين وغير ذلك من سلطات أو رموز في هذه الدولة.

المعادلة التي تسير عليها أحوال اللبنانيين اليوم، هو ما يجب ان يلتزم به المسؤولون في السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، هذا ما يذكر به نصرالله من ظنوا أنه من الممكن العودة الى قواعد الدستور، وحتى اذا لامس حلم الدولة خيال رئيس الجمهورية او الحكومة وظنوا أنّ تشكيل الحكومة ولو في ظاهرها الشكلي حقٌ من حقوقهما، فقد نبههما السيد نصرالله بأنه هو من يقرر وهو من يوقع على مرسوم الحكومة وان لم يوقع فلا حكم ولا حكومة.

اقرأ أيضاً: «آدمية» السيد حسن نصر الله القاتلة

ما قاله نصرالله وما يفعله، يعيد الاعتبار الى قضية سيادة الدولة، ومشروع التحرر من القوة المعطلة للدولة والمقوضة لها، فما يفرض حزب الله على اللبنانيين ليس موقفا سياسياً أو خطة اقتصادية او سياسة مالية، بل ما يفرضه عليهم هو معادلة انهاء الدولة لحساب السلطة القاهرة التي يمثلها ويعبر عنها، ويفرض معايير جديدة تقامر بوجود الشعب والكيان.

فاضرار هذا الخيار التي يدفعها اللبنانيون من رصيدهم الدولتي، لا يتحمل حزب الله بالضرورة أعباء خسائرها، هو الذي يربط نظام مصالحه ووجوده بمنظومة إيرانية لها أولوياتها وحساباتها التي تختلف وتتعارض مع نظام المصالح الوطني اللبناني، من هنا فان أي مشروع يضع في برنامجه استنهاض الدولة في لبنان، ومواجهة الأزمات التي يعانيها والمخاطر التي تدهمه ماليا واقتصادياً، محكوم بأن يضع في سلم أولوياته اعادة الاعتبار لعنوان سيادة الدولة ولقيام أوسع تحالف وطني واسع يجتمع على حماية الدولة واستعادة سيادتها، لأن ما يريده حزب الله من المسؤولين في الدولة هو أن يستكملو اضعاف الدولة وتهميشها وأن يتلهوا بالمحاصصة، ولكن من دون أن يتحمل هو أي مسؤولية عما يرتكبونه، وأن “يجاهدوا” في تغطية ارتكاباته بصدورهم وأن يشكروه على نعمة بقائهم على قيد السلطة…أو قيد الحياة.

 

 

 

آخر تحديث: 16 نوفمبر، 2018 4:49 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>